Mozaik Islam

ما يلزم من أفطر لكبر أو مرض

الله سبحانه وتعالى أوجب صوم رمضان على المسلمين, أداء في حق غير ذوي الأعذار, وقضاء في حق ذوي الأعذار, الذين يستطيعون القضاء في أيام أخر, وهناك صنف ثالث لا يستطيعون الصيام أداء ولا قضاء كالكبير الهرم والمريض الذي لا يرجى برؤه, فهذا الصنف قد خفف الله عنه, فالواجب عليه بدل الصيام إطعام مسكين عن كل يوم نصف صاع من الطعام.

قال الله تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وقال تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ قال ابن عباس رضي الله عنهما: ” هي للكبير الذي لا يستطيع الصوم ” رواه البخاري.

والمريض الذي لا يرجى برؤه من مرضه في حكم الكبير, فيطعم عن كل يوم مسكينا.

وأما من أفطر لعذر يزول كالمسافر والمريض مرضا يرجى زواله والحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو على ولديهما, والحائض والنفساء, فإن كلا من هؤلاء يتحتم عليه القضاء, بأن يصوم من أيام أخر بعدد الأيام التي أفطرها, قال تعالى: وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.

وفطر المريض الذي يضره الصوم والمسافر الذي يجوز له قصر الصلاة سنة, لقوله تعالى في حقهم: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ أي: فليفطر وليقض عدد ما أفطره, قال تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ والنبي صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين, إلا اختار أيسرهما, وفي ” الصحيحين “: ليس من البر الصيام في السفر.

وإن صام المسافر أو المريض الذي يشق عليه الصوم, صح صومهما مع الكراهة, وأما الحائض والنفساء, فيحرم في حقها الصوم حال الحيض والنفاس, ولا يصح.

والمرضع والحامل يجب عليهما قضاء ما أفطرتا من أيام أخر, ويجب مع القضاء على من أفطرت للخوف على ولدها إطعام مسكين عن كل يوم أفطرته.

وقال العلامة ابن القيم رحمه الله: ” أفتى ابن عباس وغيره من الصحابة في الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أن تفطرا وتطعما عن كل يوم مسكينا, إقامة للإطعام مقام الصيام “, يعني: أداء, مع وجوب القضاء عليهما.

ويجب الفطر على من احتاج إليه لإنقاذ من وقع في هلكة, كالغريق ونحوه.

وقال ابن القيم: ” وأسباب الفطر أربعة: السفر, والمرض, والحيض, والخوف من هلاك من يخشى عليه الهلاك بالصوم كالمرضع والحامل, ومثله مسألة الغريق “.

ويجب على المسلم تعيين نية الصوم الواجب من الليل, كصوم رمضان, وصوم الكفارة, وصوم النذر, بأن يعتقد أنه يصوم من رمضان أو قضائه أو يصوم نذرا أو كفارة, لقوله صلى الله عليه وسلم: إنما الأعمال بالنيات, وإنما لكل امرئ ما نوى وعن عائشة مرفوعا: من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر, فلا صيام له فيجب أن ينوي الصوم الواجب في الليل, فمن نوى الصوم من النهار, كمن أصبح ولم يطعم شيئا بعد طلوع الفجر, ثم نوى الصيام, لم يجزئه, إلا في التطوع, وأما الصوم الواجب, فلا ينعقد بنيته من النهار; لأن جميع النهار يجب فيه الصوم, والنية لا تنعطف على الماضي.

أما صوم النقل, فيجوز بنية من النهار, لحديث عائشة رضي الله عنها: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم, فقال: هل عندكم من شيء, فقلنا: لا, قال: فإني إذا صائم رواه الجماعة إلا البخاري, ففي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان مفطرا لأنه طلب طعاما, وفيه دليل على جواز تأخير نية الصوم إذا كان تطوعا, فتخصص به الأدلة المانعة.

فشرط صحة صوم النفل بنية من النهار أن لا يوجد قبل النية مناف للصيام من أكل وشرب ونحوهما, فإن فعل قبل النية ما يفطره, لم يصح الصيام بغير خلاف.

ْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ الآيات صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان

بيان أحكام القضاء للصيام

من أفطر في رمضان بسبب مباح, كالأعذار الشرعية التي تبيح الفطر, أو بسبب محرك, كمن أبطل صومه بجماع أو غيره, وجب عليه القضاء, لقوله تعالى: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.

ويستحب له المبادرة بالقضاء, لإبراء ذمته, ويستحب أن يكون القضاء متتابعا; لأن القضاء يحكي الأداء, وإن لم يقض على الفور, وجب العزم عليه, ويجوز له التأخير; لأن وقته موسع, وكل واجب موسع يجوز تأخيره مع العزم عليه, كما يجوز تفرقته, بأن يصومه متفرقا, لكن إذا لم يبق من شعبان إلا قدر ما عليه, فإنه يجب عليه التتابع إجماعا, لضيق الوقت, ولا يجوز تأخيره إلى ما بعد رمضان الآخر لغير عذر, لقول عائشة رضي الله عنها: ” كان يكون علي الصوم من رمضان, فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان, لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ” متفق عليه, فدل هذا على أن وقت القضاء موسع, إلى أن لا يبقى من شعبان إلا قدر الأيام التي عليه, فيجب عليه صيامها قبل دخول رمضان الجديد.

فإن أخر القضاء حتى أتى عليه رمضان الجديد, فإنه يصوم رمضان الحاضر, ويقضي ما عليه بعده, ثم إن كان تأخيره لعذر لم يتمكن معه من القضاء في تلك الفترة, فإنه ليس عليه إلا القضاء, وإن كان لغير عذر, وجب عليه مع القضاء إطعام مسكين عن كل يوم نصف صاع من قوت البلد.

وإذا مات من عليه القضاء قبل دخول رمضان الجديد, فلا شيء عليه; لأن له تأخيره في تلك الفترة التي مات فيها, وإن مات بعد رمضان الجديد: فإن كان تأخيره القضاء لعذر – كالمرض والسفر – حتى أدركه رمضان الجديد, فلا شيء عليه أيضا, وإن كان تأخيره لغير عذر, وجبت الكفارة في تركته, بأن يخرج عنه إطعام مسكين عن كل يوم.

وإن مات من عليه صوم كفارة كصوم كفارة الظهار والصوم الواجب عن دم المتعة في الحج, فإنه يطعم عنه عن كل يوم مسكينا, ولا يصام عنه, ويكون الإطعام من تركته; لأنه صيام لا تدخله النيابة في الحياة, فكذا بعد الموت, وهذا هو قول أكثر أهل العلم.

وإن مات من عليه صوم نذر, استحب لوليه أن يصوم عنه, لما ثبت في ” الصحيحين “, أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فقالت: إن أمي ماتت وعليها صيام نذر, أفأصوم عنها, قال: ” نعم ” والولي هو الوارث.

قال ابن القيم رحمه الله: يصام عنه النذر دون الفرض الأصلي, وهذا مذهب أحمد وغيره, والمنصوص عن ابن عباس وعائشة, وهو مقتضى الدليل والقياس; لأن النذر ليس واجبا بأصل الشرع, وإنما أوجبه العبد على نفسه, فصار بمنزلة الدين, ولهذا شبهه النبي صلى الله عليه وسلم بالدين, وأما الصوم الذي فرضه الله عليه ابتداء, فهو أحد أركان الإسلام, فلا تدخله النيابة بحال, كما لا تدخل الصلاة والشهادتين, فإن المقصود منهما طاعة العبد بنفسه, وقيامه بحق العبودية التي خلق لها وأمر بها, وهذا لا يؤديه عنه غيره, ولا يصلي عنه غيره.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ” يطعم عنه كل يوم مسكين, وبذلك أخذ أحمد وإسحاق وغيرهما, وهو مقتضى النظر كما هو موجب الأثر, فإن النذر كان ثابتا في الذمة فيفعل بعد الموت, وأما صوم رمضان, فإن الله لم يوجبه على العاجز عنه, بل أمر العاجز بالفدية طعام مسكين, والقضاء إنما على من قدر عليه لا على من عجز عنه, فلا يحتاج إلى أن يقضي أحد عن أحد, وأما الصوم لنذر وغيره من المنذورات, فيفعل عنه بلا خلاف, للأحاديث الصحيحة.

ْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ الآيات صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان

مفسدات الصوم

للصيام مفسدات يجب على المسلم أن يعرفها, ليتجنبها, ويحذر منها; لأنها تفطر الصائم, وتفسد عليه صيامه, وهذه المفطرات منها:

1 – الجماع: فمتى جامع الصائم, بطل صيامه, ولزمه قضاء ذلك اليوم الذي جامع فيه, ويجب عليه مع قضائه الكفارة, وهي: عتق رقبة, فإن لم يجد الرقبة أو لم يجد قيمتها, فعليه أن يصوم شهرين متتابعين, فإن لم يستطع صيام شهرين متتابعين, بأن لم يقدر على ذلك لعذر شرعي, فعليه أن يطعم ستين مسكينا, لكل مسكين نصف صاع من الطعام المأكول في البلد.

2 – إنزال المني: بسبب تقبيل أو لمس أو استمناء أو تكرار نظر, فإذا حصل شيء من ذلك, فسد صومه, وعليه القضاء فقط بدون كفارة; لأن الكفارة تختص بالجماع. والنائم إذا احتلم فأنزل, فلا شيء عليه, وصيامه صحيح; لأن ذلك وقع بدون اختياره, لكن يجب عليه الاغتسال من الجنابة.

3 – الأكل أو الشرب متعمدا:, لقوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ

أما من أكل وشرب ناسيا, فإن ذلك لا يؤثر على صيامه, وفي الحديث: من أكل أو شرب ناسيا, فليتم صومه, فإنما أطعمه الله وسقاه ومما يفطر الصائم إيصال الماء ونحوه إلى الجوف عن طريق الأنف, وهو ما يسمى بالسعوط, وأخذ المغذي عن طريق الوريد, وحقن الدم في الصائم, كل ذلك يفسد صومه; لأنه تغذية له, ومن ذلك أيضا حقن الصائم بالإبر المغذية; لأنها تقوم مقام الطعام, وذلك يفسد الصيام, أما الإبر غير المغذية, فينبغي للصائم أيضا أن يتجنبها محافظة على صيامه, ولقوله صلى الله عليه وسلم دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ويؤخرها إلى الليل.

4 – إخراج الدم من البدن: بحجامة أو فصد أو سحب دم ليتبرع به لإسعاف مريض, فيفطر بذلك كله.

أما إخراج دم قليل كالذي يستخرج للتحليل, فهذا لا يؤثر على الصيام, وكذا خروج الدم بغير اختياره برعاف أو جرح أو خلع سن, فهذا لا يؤثر على الصيام.

5 – ومن المفطرات التقيؤ:, وهو استخراج ما في المعدة من طعام أو شراب عن طريق الفم متعمدا, فهذا يفطر به الصائم, أما إذا غلبه القيء, وخرج بدون اختياره, فلا يؤثر على صيامه, لقوله صلى الله عليه وسلم: من ذرعه القيء, فليس عليه قضاء, ومن استقاء عمدا, فليقض ومعنى ” ذرعه القيء ” أي: خرج بدون اختياره, ومعنى قوله: ” استقاء ” أي: تعمد القيء.

وينبغي أن يتجنب الصائم الاكتحال ومداواة العينين بقطرة أو بغيرها وقت الصيام, محافظة على صيامه.

ولا يبالغ في المضمضة والاستنشاق; لأنه ربما ذهب الماء إلى جوفه, قال صلى الله عليه وسلم: وبالغ بالاستنشاق إلا أن تكون صائما

والسواك لا يؤثر على الصيام, بل هو مستحب ومرغب فيه للصائم وغيره في أول النهار وآخره على الصحيح.

ولو طار إلى حلقه غبار أو ذباب, لم يؤثر على صيامه. ويجب على الصائم اجتناب كذب وغيبة وشتم, وإن سابه أحد أو شتمه, فليقل إني صائم, فإن بعض الناس قد يسهل عليه ترك الطعام والشراب, ولكن لا يسهل عليه ترك ما اعتاده من الأقوال والأفعال الرديئة, ولهذا قال بعض السلف: أهون الصيام ترك الطعام والشراب.

فعلى المسلم أن يتقي الله ويخافه ويستشعر عظمة ربه واطلاعه عليه في كل حين وعلى كل حال, فيحافظ على صيامه من المفسدات والمنقصات, ليكون صيامه صحيحا.

وينبغي للصائم أن يشتغل بذكر الله وتلاوة القرآن والإكثار من النوافل, فقد كان السلف إذا صاموا, جلسوا في المساجد, وقالوا. نحفظ صومنا ولا نغتاب أحدا, وقال – صلى الله عليه وسلم: من لم يدع قول الزور والعمل به, فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه وذلك لأنه لا يتم التقرب إلى الله تعالى بترك هذه الشهوات المباحة في غير حالة الصيام إلا بعد التقرب إليه بترك ما حرم الله عليه في كل حال من الكذب والظلم والعدوان على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم, روي عن أبي هريرة مرفوعا: الصائم في عبادة ما لم يغتب مسلما أو يؤذه وعن أنس: ما صام من ظل يأكل لحوم الناس فالصائم يترك أشياء كانت مباحة في غير حالة الصيام, فمن باب أولى أن يترك الأشياء التي لا تحل له في جميع الأحوال, ليكون في عداد الصائمين حقا.

ْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ الآيات صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان

بدء صيام اليوم ونهايته

قال الله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ

قال الإمام ابن كثير رحمه الله: ” هذه رخصة من الله تعالى للمسلمين, ورفع لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام, فإنه كان إذا أفطر أحدهم, إنما يحل له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء أو ينام قبل ذلك, فمتى نام أو صلى العشاء, حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القابلة, فوجدوا من ذلك مشقة كبيرة, فنزلت هذه الآية, ففرحوا بها فرحا شديدا, حيث أباح الله الأكل والشرب والجماع في أي الليل شاء الصائم, إلى أن يتبين ضياء الصباح من سواد الليل.

فتبين من الآية الكريمة تحديد الصوم اليومي بداية ونهاية, فبدايته من طلوع الفجر الثاني, ونهايته إلى غروب الشمس.

وفي إباحته تعالى الأكل والشرب إلى طلوع الفجر دليل على استحباب السحور.

وفي ” الصحيحين ” عن أنس, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تسحروا, فإن السحور بركة

وقد ورد في الترغيب بالسحور آثار كثيرة, ولو بجرعة ماء, ويستحب تأخيره إلى وقت انفجار الفجر. ولو استيقظ الإنسان وعليه جنابة أو طهرت الحائض قبل طلوع الفجر, فإنهم يبدءون بالسحور, ويصومون, ويؤخرون الاغتسال إلى بعد طلوع الفجر.

وبعض الناس يبكرون بالتسحر لأنهم يسهرون معظم الليل ثم يتسحرون وينامون قبل الفجر بساعات, وهؤلاء قد ارتكبوا عدة أخطاء:

أولا: لأنهم صاموا قبل وقت الصيام.

ثانيا: يتركون صلاة الفجر مع الجماعة, فيعصون الله بترك ما أوجب الله عليهم من صلاة الجماعة.

ثالثا: ربما يؤخرون صلاة الفجر عن وقتها, فلا يصلونها إلا بعد طلوع الشمس, وهذا أشد جرما وأعظم إثما, قال الله تعالى: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ

ولا بد أن ينوي الصيام الواجب من الليل, فلو نوى الصيام ولم يستيقظ إلا بعد طلوع الفجر, فإنه يمسك, وصيامه صحيح تام إن شاء الله.

ويستحب تعجيل الإفطار إذا تحقق غروب الشمس بمشاهدتها أو غلب على ظنه بخبر ثقة بأذان أو غيره: فعن سهل بن سعد رضي الله عنه, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر متفق عليه, وقال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: إن أحب عبادي إلي أعجلهم فطرا

والسنة أن يفطر على رطب, فإن لم يجد, فعلى تمر, فإن لم يجد, فعلى ماء, لقول أنس رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفطر قبل أن يصلي على رطبات, فإن لم تكن رطبات, فتمرات, فإن لم تكن تمرات, حسا حسوات من ماء… رواه أحمد وأبو داود والترمذي, فإن لم يجد رطبا ولا تمرا ولا ماء أفطر على ما تيسر من طعام وشراب.

وهنا أمر يجب التنبيه عليه, وهو أن بعض الناس قد يجلس على مائدة إفطاره ويتعشى ويترك صلاة المغرب مع الجماعة في المسجد, فيرتكب بذلك خطأ عظيما, وهو التأخر عن الجماعة في المسجد, ويفوت على نفسه ثوابا عظيما, ويعرضها للعقوبة, والمشروع للصائم أن يفطر أولا, ثم يذهب للصلاة, ثم يتعشى بعد ذلك.

ويستحب أن يدعو عند إفطاره بما أحب, قال صلى الله عليه وسلم: إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد ومن الدعاء الوارد أن يقول: اللهم لك صمت, وعلى رزقك أفطرت وكان صلى الله عليه وسلم إذا أفطر يقول, ذهب الظمأ, وابتلت العروق, وثبت الأجر إن شاء الله.

وهكذا ينبغي للمسلم أن يتعلم أحكام الصيام والإفطار وقتا وصفة حتى يؤدي صيامه على الوجه المشروع الموافق لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم, وحتى يكون صيامه صحيحا وعمله مقبولا عند الله, فإن ذلك من أهم الأمور, قال الله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا

ْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ الآيات صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان

الصيام ووقته

صوم شهر رمضان ركن من أركان الإسلام, وفرض من فروض الله, معلوم من الدين بالضرورة.

ويدل عليه الكتاب والسنة والإجماع:

قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ إلى قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ الآية, ومعنى ” كتب “: فرض, وقال: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ والأمر للوجوب.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: بني الإسلام على خمس وذكر منها صوم رمضان. والأحاديث في الدلالة على فرضيته وفضله كثيرة مشهورة.

وأجمع المسلمون على وجوب صومه, وأن من أنكره كفر.

والحكمة في شرعية الصيام أن فيه تزكية للنفس وتطهيرا وتنقية لها من الأخلاط الرديئة والأخلاق الرذيلة; لأنه يضيق مجاري الشيطان في بدن الإنسان; لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم, فإذا أكل أو شرب, انبسطت نفسه للشهوات, وضعفت إرادتها, وقلت رغبتها في العبادات, والصوم على العكس من ذلك.

وفي الصوم تزهيد في الدنيا وشهواتها, وترغيب في الآخرة, وفيه باعث على العطف على المساكين وإحساس بآلامهم, لما يذوقه الصائم من ألم الجوع والعطش, لأن الصوم في الشرع هو الإمساك بنية عن أشياء مخصوصة من أكل وشرب وجماع وغير ذلك مما ورد به الشرع, ويتبع ذلك الإمساك عن الرفث والفسوق.

ويبتدئ وجوب الصوم اليومي بطلوع الفجر الثاني, وهو البياض المعترض في الأفق, وينتهي بغروب الشمس, قال الله تعالى: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ ( يعني الزوجات ) وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ومعنى: يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ أن يتضح بياض النهار من سواد الليل.

ويبدأ وجوب صوم شهر رمضان إذا علم دخوله وللعلم بدخوله ثلاث طرق:

الطريقة الأولى: رؤية هلاله, قال تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وقال النبي صلى الله عليه وسلم: صوموا لرؤيته فمن رأى الهلال بنفسه, وجب عليه الصوم.

الطريقة الثانية: الشهادة على الرؤية, أو الإخبار عنها, فيصام برؤية عدل مكلف, ويكفي إخباره بذلك, لقول ابن عمر: تراءى الناس الهلال, فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته, فصام, وأمر الناس بصيامه رواه أبو داود وغيره, وصححه ابن حبان والحاكم.

والطريقة الثالثة: إكمال عدة شهر شعبان ثلاثين يوما, وذلك حينما لا يرى الهلال ليلة الثلاثين من شعبان مع عدم وجود ما يمنع الرؤية من غيم أو قتر أو مع وجود شيء من ذلك, لقوله صلى الله عليه وسلم: إنما الشهر تسعة وعشرون يوما, فلا تصوموا حتى تروا الهلال, ولا تفطروا حتى تروه, فإن غم عليكم, فاقدروا له ومعنى ” اقدروا له ” أي: أتموا شهر شعبان ثلاثين يوما, لما ثبت في حديث أبي هريرة: فإن غم عليكم, فعدوا ثلاثين

ويلزم صوم رمضان كل مسلم مكلف قادر, فلا يجب على كافر, ولا يصح منه, فإن تاب في أثناء الشهر, صام الباقي, ولا يلزمه قضاء ما سبق حال الكفر.

ولا يجب الصوم على صغير, ويصح الصوم من صغير مميز, ويكون في حقه نافلة.

ولا يجب الصوم على مجنون, ولو صام حال جنونه, لم يصح منه, لعدم النية.

ولا يجب الصوم أداء على مريض يعجز عنه ولا على مسافر, ويقضيانه حال زوال عذر المرض والسفر, قال تعالى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.

والخطاب بإيجاب الصيام يشمل المقيم والمسافر, والصحيح والمريض, والطاهر والحائض والنفساء, والمغزى عليه, فإن هؤلاء كلهم يجب عليهم الصوم في ذممهم, بحيث إنهم يخاطبون بالصوم, ليعتقدوا وجوبه في ذممهم, والعزم على فعله: إما أداء, وإما قضاء, فمنهم من يخاطب بالصوم في نفس الشهر أداء, وهو الصحيح المقيم, إلا الحائض والنفساء, ومنهم من يخاطب بالقضاء فقط, وهو الحائض والنفساء والمريض الذي لا يقدر على أداء الصوم ويقدر عليه قضاء, ومنهم من يخير بين الأمرين, وهو المسافر والمريض الذي يمكنه الصوم بمشقة من غير خوف التلف.

ومن أفطر لعذر ثم زال عذره في أثناء نهار رمضان, كالمسافر يقدم من سفره, والحائض والنفساء تطهران, والكافر إذا أسلم, والمجنون إذا أفاق من جنونه, والصغير يبلغ, فإن كلا من هؤلاء يلزمه الإمساك بقية اليوم ويقضيه, وكذا إذا قامت البينة بدخول الشهر في أثناء النهار, فإن المسلمين يمسكون بقية اليوم ويقضون اليوم بعد رمضان.

ْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ الآيات صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان

الصدقة المستحبة

وإلى جانب الزكاة الواجبة في المال هناك صدقة مستحبة تشرع كل وقت لإطلاق الحث عليها في الكتاب والسنة والترغيب فيها, فقد حث الله عليها في كتابه العزيز في آيات كثيرة: قال تعالى: وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ، وقال تعالى: وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، وقال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الصدقة لتطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء رواه الترمذي وحسنه. وفي ” الصحيحين ” سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله… وذكر منهم: ورجلا تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، والأحاديث قي هذا كثيرة.

وصدقة السر أفضل, لقوله تعالى: وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ولأنه أبعد عن الرياء, إلا أن يترتب على إظهار الصدقة وإعلانها مصلحة راجحة من اقتداء الناس به.

وينبغي أن تكون طيبة بها نفسه, غير ممتن بها على المحتاج, قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى، والصدقة في حال الصحة أفضل, قال صلى الله عليه وسلم لما سئل: أي الصدقة أفضل, قال: أن تصدق وأنت صحيح شحيح, تأمل الغنى وتخشى الفقر

والصدقة في الحرمين الشريفين أفضل, لأمر الله بها في قوله: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ.

والصدقة في رمضان أفضل, لقول ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس, وكان أجود ما يكون في رمضان, حين يلقاه جبريل, فكان أجود بالخير من الريح المرسلة.

والصدقة في أوقات الحاجة أفضل, قال تعالى: أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ.

كما أن الصدقة على الأقارب والجيران أفضل منها على الأبعدين, فقد أوصى الله بالأقارب, وجعل لهم حقا على قريبهم في كثير من الآيات, كقوله تعالى: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وقال عليه الصلاة والسلام: الصدقة على المسكين صدقة, وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة رواه الخمسة وغيرهم, وفي ” الصحيحين “: أجران: أجر القرابة, وأجر الصدقة.

ثم اعلم أن في المال حقوقا سوى الزكاة, نحو مواساة القرابة, وصلة الإخوان, لإعطاء سائل, وإعارة محتاج, وإنظار معسر, وإقراض مقترض, قال تعالى: وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ.

ويجب إطعام الجائع وقري الضيف وكسوة العاري وسقي الظمآن, بل ذهب الإمام مالك رحمه الله إلى أنه يجب على المسلمين فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم.

كما أنه يشرع لمن حصل على مال وبحضرته أناس من الفقراء والمساكين أن يتصدق عليهم منه, قال تعالى: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وقال تعالى: وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا وهذه من محاسن دين الإسلام; لأنه دين المواساة والرحمة, ودين التعاون والتآخي في الله, فما أجمله من دين وما أحكمه من تشريع. نسأل الله تعالى أن يرزقنا البصيرة في دينه والتمسك بشريعته, إنه سميع

ْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ الآيات صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان

أهل الزكاة ومن لا يجوز دفع الزكاة لهم

واعلم أنه لا يجزئ دفع الزكاة إلا للأصناف التي عينها الله في كتابه الكريم, قال تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ فهؤلاء المذكورون في هذه الآية الكريمة هم أهل الزكاة الذين جعلهم الله محلا لدفعها إليهم, لا يجوز صرف شيء منها إلى غيرهم إجماعا.

وأخرج أبو داود وغيره عن زياد بن الحارث مرفوعا: إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أجزاء. وقال النبي صلى الله عليه وسلم للسائل: إن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك. وذلك أنه لما اعترض بعض المنافقين على النبي صلى الله عليه وسلم في الصدقات, بين الله تعالى أنه هو الذي قسمها, وبين حكمها, وتولى أمرها بنفسه, ولم يكل قسمتها إلى أحد غيره.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ” يجب صرفها إلى الأصناف الثمانية إن كانوا موجودين, وإلا, صرفت إلى الموجود منهم, ونقلها إلى حيث يوجدون “. وقال: ” لا ينبغي أن يعطى منها إلا من يستعين بها على طاعة الله, فإن الله فرضها معونة على طاعته لمن يحتاج إليها من المؤمنين أو من يعاونهم, فمن لا يصلي من أهل الحاجات, لا يعطى منها, حتى يتوب ويلتزم بأداء الصلاة ” انتهى.

ولا يجوز صرف الزكاة في غير هذه المصارف التي عينها الله من المشاريع الخيرية الأخرى, كبناء المساجد والمدارس, لقوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ الآية, و ( إنما ) تفيد الحصر, وتثبت الحكم لما بعدها, وتنفيه عما سواه, والمعنى: ليست الصدقات لغير هؤلاء, بل لهؤلاء خاصة, وإنما سمى الله الأصناف الثمانية, إعلاما منه أن الصدقة لا تخرج من هذه الأصناف إلى غيرها.

وهذه الأصناف تنقسم إلى قسمين:

القسم الأول: المحاويج من المسلمين.

القسم الثاني: من في إعطائهم معونة على الإسلام وتقوية له.

وقول الله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ففي هذه الآية الكريمة حصر لأصناف أهل الزكاة الذين لا يجوز صرف الزكاة إلا لهم, ولا يجزئ صرفها في غيرهم, وهم ثمانية أصناف:

أحدهم: الفقراء, وهم أشد حاجة من المساكين, لأن الله تعالى بدأ بهم, وإنما يبدأ بالأهم فالأهم, والفقراء هم الذين لا يجدون شيئا يكتفون به في معيشتهم, ولا يقدرون على التكسب, أو يجدون بعض الكفاية, فيعطون من الزكاة كفايتهم إن كانوا لا يجدون منها شيئا, أو يعطون تمام كفايتهم إن كانوا يجدون بعضها لعام كامل.

الثاني: المساكين, وهم أحسن حالا من الفقراء, فالمسكين هو الذي يجد أكثر كفايته أو نصفها, فيعطى من الزكاة تمام كفايته لعام كامل.

الثالث: العاملون عليها, وهم العمال الذين يقومون بجمع الزكاة من أصحابها, ويحفظونها, ويوزعونها على مستحقيها بأمر إمام المسلمين, فيعطون من الزكاة قدر أجرة عملهم, إلا إن كان ولي الأمر قد رتب لهم رواتب من بيت المال على هذا العمل, فلا يجوز أن يعطوا شيئا من الزكاة, كما هو الجاري في هذا الوقت, فإن العمال يعطون من قبل الدولة, فيأخذون انتدابات على عملهم في الزكاة, فهؤلاء حرام عليهم أن يأخذوا من الزكاة شيئا عن عملهم; لأنهم قد أعطوا أجرة عملهم من غيرها.

الرابع: المؤلفة قلوبهم: جمع مؤلف من التأليف وهو جمع القلوب, والمؤلفة قلوبهم قسمان: كفار ومسلمون, فالكافر يعطى من الزكاة إذا رجي إسلامه لتقوى نيته على الدخول في الإسلام وتشتد رغبته, أو إذا حصل بإعطائه كف شره عن المسلمين أو شر غيره, والمسلم المؤلف يعطى من الزكاة لتقوية إيمانه, أو رجاء إسلام نظيره… ونحو ذلك من الأغراض الصحيحة المفيدة للمسلمين, والإعطاء للتأليف إنما يعمل به عند الحاجة إليه فقط; لأن عمر وعثمان وعليا رضي الله عنهم تركوا الإعطاء للتأليف, لعدم الحاجة إليه في وقتهم

الخامس: الرقاب, وهم الأرقاء المكاتبون الذين لا يجدون وفاء, فيعطى المكاتب ما يقدر به على وفاء دينه حتى يعتق ويخلص من الرق, ويجوز أن يشتري المسلم من زكاته عبدا فيعتقه, ويجوز أن يفتدى من الزكاة الأسير المسلم; لأن في ذلك فك رقبة المسلم من الأسر.

السادس: الغارم, وانفراد بالغارم المدين, وهو نوعان:

أحدهما: غارم لغيره, وهو الغارم لأجل إصلاح ذات البين, بأن يقع بين قبيلتين أو قريتين نزاع في دماء أو أموال, ويحدث بسبب ذلك بينهم شحناء وعداوة, فيتوسط الرجل بالصلح بينهما, ويلتزم في ذمته مالا عوضا عما بينهم, ليطفئ الفتنة, فيكون قد عمل معروفا عظيما, من المشروع حمله عنه من الزكاة, لئلا تجحف الحمالة بماله, وليكون ذلك تشجيعا له ولغيره على مثل هذا العمل الجليل, الذي يحصل به كف الفتن والقضاء على الفساد, بل لقد أباح الشارع لهذا الغارم المسألة لتحقيق هذا الغرض بما ففي ” صحيح مسلم ” عن قبيصة, قال: تحولت حمالة, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها

الثاني: الغارم لنفسه, كأن يفتدي نفسه من كفار, أو يكون عليه دين لا يقدر على تسديده, فيعطى من الزكاة ما يسدد به دينه, لقوله تعالى: وَالْغَارِمِينَ

السابع: في سبيل الله, بأن يعطى من الزكاة الغزاة المتطوعة الذين لا رواتب لهم من بيت المال; لأن المراد بسبيل الله عند الإطلاق الغزو, قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ وقال تعالى: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ

الثامن: ابن السبيل, وهو المسافر المنقطع به في سفره بسبب نفاد ما معه أو ضياعه; لأن السبيل هو الطريق, فسمي من لزمه ابن السبيل, فيعطى ابن السبيل ما يوصله إلى بلده, وإن كان في طريقه إلى بلد قصده, أعطي ما يوصله ذلك البلد, وما يرجع به إلى بلده, ويدخل في ابن السبيل الضيف كما قال ابن عباس وغيره, وإن بقي مع ابن السبيل أو الغازي أو الغارم أو المكاتب شيء مما أخذوه من الزكاة زائدا عن حاجتهم, وجب عليهم رده; لأنه لا يملك ما أخذه ملكا مطلقا, وإنما يملكه ملكا مراعى بقدر الحاجة, وتحقق السبب الذي أخذه من أجله, فإذا زال السبب, زال الاستحقاق.

واعلم أنه يجوز صرف جميع الزكاة في صنف واحد من هذه الأصناف المذكورة, قال تعالى: وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ولحديث معاذ حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن, فقال: أعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم متفق عليه, فلم يذكر في الآية والحديث إلا صنفا واحدا, فدل على جواز صرفها إليه.

ويجزئ الاقتصار على إنسان واحد, لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بني زريق بدفع صدقتهم إلى سلمة بن صخر رواه أحمد, وقال صلى الله عليه وسلم لقبيصة: أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة, فنأمر لك بها فدل الحديثان على جواز الاقتصار على شخص واحد من الأصناف الثمانية.

ويستحب دفعها إلى أقاربه المحتاجين الذين لا تلزمه نفقتهم الأقرب فالأقرب, لقوله صلى الله عليه وسلم: صدقتك على ذي القرابة صدقة وصلة رواه الخمسة وحسنه الترمذي.

ولا يجوز دفع الزكاة إلى بني هاشم, ويدخل فيهم: آل العباس, وآل علي, وآل جعفر, وآل عقيل, وآل الحارث بن عبد المطلب, وآل أبي لهب, لقوله صلى الله عليه وسلم إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد, وإنما هي أوساخ الناس أخرجه مسلم.

ولا يجوز دفع الزكاة إلى امرأة فقيرة إذا كانت تحت زوج غني ينفق عليها, ولا إلى فقير إذا كان له قريب غني ينفق عليه, لاستغنائهم بتلك النفقة عن الأخذ من الزكاة.

ولا يجوز للإنسان أن يدفع زكاة ماله إلى أقاربه الذين يلزمه الإنفاق عليهم, لأنه يقي بها ماله حينئذ, أما من كان ينفق عليه تبرعا, فإنه يجوز أن يعطيه من زكاته, ففي ” الصحيح ” أن امرأة عبد الله سألت النبي – صلى الله عليه وسلم – عن بني أخ لها أيتام في حجرها, أفتعطيهم زكاتها, قال: نعم

ولا يجوز دفع زكاته إلى أصوله, وهم آباؤه وأجداده, ولا إلى فروعه, وهم أولاده وأولاد أولاده. ولا يجوز له دفع زكاته إلى زوجته, لأنها مستغنية بإنفاقه عليها, ولأنه يقي بها ماله. ويجب على المسلم أن يتثبت من دفع الزكاة, فلو دفعها لمن ظنه مستحقا, فتبين أنه غير مستحق, لم تجزئه, أما إذا لم يتبين عدم استحقاقه, فالدفع إليه يجزئ, اكتفاء بغلبة الظن, ما لم يظهر خلافه, لأن النبي صلى الله عليه وسلم حينما أتاه رجلان يسألانه من الصدقة فقلب فيهما البصر, ورآهما جلدين, فقال: إن شئتما أعطيتكما منها, ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب

ْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ الآيات صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان

إخراج الزكاة

إن من أهم أحكام الزكاة معرفة مصرفها الشرعي, لتكون واقعة موقعها, وواصلة إلى مستحقها, حتى تبرأ بذلك ذمة الدافع. فاعلم أيها المسلم أنه تجب المبادرة بإخراج الزكاة فور وجوبها في المال, لقوله تعالى: وَآتُوا الزَّكَاةَ والأمر المطلق يقتضي الفورية, وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما خالطت الزكاة مالا إلا أهلكته ولأن حاجة الفقير تستدعي المبادرة بدفعها إليه, وفي تأخيرها إضرار به, ولأن من وجبت عليه عرضة لحلول العوائق الطارئة كالإفلاس والموت, وذلك يؤدي إلى بقائها في ذمته, ولأن المبادرة بإخراجها أبعد عن الشح وأخلص للذمة, وهو مرضاة للرب, فلهذه المعاني يجب المبادرة بإخراج الزكاة, وعدم تأخيرها إلا لضرورة, كما لو أخرها ليدفعها إلى من هو أشد حاجة, أو لغيبة الحال, ونحو ذلك.

وتجب الزكاة في مال صبي ومال مجنون, لعموم الأدلة, ويتولى إخراجها عنهما وليهما في الحال; لأن ذلك حق وجب عليهما تدخله النيابة.

ولا يجوز إخراج الزكاة إلا بنية, لقوله صلى الله عليه وسلم: إنما الأعمال بالنيات.

وإخراج الزكاة عمل, والأفضل أن يتولى صاحب المال توزيع الزكاة, ليكون على يقين من وصولها إلى مستحقيها, وله أن يوكل من يخرجها عنه, كأن طلبها إمام المسلمين, دفعها إليه, أو يدفعها إلى الساعي, وهو العامل الذي يرسله الإمام لجباية الزكوات.

ويستحب عند دفع الزكاة أن يدعو الدافع والآخذ, فيقول الدافع: ” اللهم اجعلها مغنما ولا تجعلها مغرما, ويقول الآخذ: ” آجرك الله فيما أعطيت, وبارك لك فيما أبقيت, وجعله لك طهورا.

قال الله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ أي: ادع لهم. قال عبد الله بن أبي أوفى: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم يصدقهم, قال: اللهم صل عليهم متفق عليه.

وإذا كان الشخص محتاجا, ومن عادته أخذ الزكاة, دفعها إليه دون أن يقول: هذه زكاة, لئلا يحرجه, وإن كان محتاجا, ولم يكن من عادته أخذ الزكاة, أعلمه بأنها زكاة.

والأفضل إخراج زكاة كل مال في بلده, بأن يوزعها على فقراء ذلك البلد الذي فيه المال, ويجوز نقلها إلى بلد آخر لمصلحة شرعية, كأن يكون له قرابة محتاجون ببلد آخر, أو من هم أشد حاجة ممن هم في البلد الذي فيه المال; لأن الصدقات كانت تنقل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة, فيفرقها في فقراء المهاجرين والأنصار.

ويجب على إمام المسلمين بعث السعاة قرب زمن وجوب الزكاة لقبض زكاة الأموال الظاهرة كسائمة بهيمة الأنعام والزروع والثمار, لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وفعل خلفائه رضي الله عنهم من بعده, وجرى عليه عمل المسلمين, ولأن من الناس من لو ترك, لم يخرج الزكاة, ومنهم من يجهل وجوب الزكاة, فإرسال السعاة فيه تدارك لهذا الخطر, وفي بعث السعاة أيضا تخفيف على الناس, وإعانة لهم على أداء الواجب.

والواجب على المسلم إخراج الزكاة عند وجوبها كما سبق من غير تأخير ولا تردد, ويجوز تعجيل إخراج الزكاة قبل وجوبها لحولين فأقل, لأن النبي صلى الله عليه وسلم تعجل من العباس صدقة سنتين كما رواه أحمد وأبو داود, فيجوز تعجيل الزكاة قبل وجوبها إذا انعقد سبب الوجوب عند جمهور العلماء, سواء كانت زكاة ماشية أو حبوب أو نقدين أو عروض تجارة إذا ملك النصاب, وترك التعجيل أفضل, خروجا من الخلاف.

ْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ الآيات صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان

زكاة الفطر

زكاة الفطر من رمضان المبارك تسمى بذلك; لأن الفطر سببها, فإضافتها إليه من إضافة الشيء إلى سببه.

والدليل على وجوبها الكتاب والسنة والإجماع.

قال الله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى قال بعض السلف: ” المراد بالتزكي هنا إخراج زكاة الفطر “. وتدخل في عموم قوله تعالى: وَآتُوا الزَّكَاةَ

وفي ” الصحيحين ” وغيرهما: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعا من بر أو صاعا من شعير, على العبد والحر, والذكر والأنثى, والصغير والكبير من المسلمين.

وقد حكى غير واحد من العلماء إجماع المسلمين على وجوبها.

والحكمة في مشروعيتها أنها طهرة للصائم من اللغو والرفث, وطعمة للمساكين, وشكر لله تعالى على إتمام فريضة الصيام.

وتجب زكاة الفطر على كل مسلم, ذكرا كان أو أنثى, صغيرا أو كبيرا, حرا كان أو عبدا, لحديث ابن عمر الذي ذكرنا قريبا, ففيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين وفرض بمعنى ألزم وأوجب.

كما أن في الحديث أيضا بيان مقدار ما يخرج عن كل شخص, وجنس ما يخرج, فمقدارها صاع, وهو أربعة أمداد, وجنس ما يخرج هو من غالب قوت البلد, برا كان, أو شعيرا, أو تمرا, أو زبيبا, أو أقطا… أو غير هذه الأصناف مما اعتاد الناس أكله في البلد, وغلب استعمالهم له, كالأرز والذرة, وما يقتاته الناس في كل بلد بحسبه.

كما بين صلى الله عليه وسلم به وقت إخراجها, وهو أنه أمر بها أن تؤدى قبل صلاة العيد, فيبدأ وقت الإخراج الأفضل بغروب الشمس ليلة العيد, ويجوز تقديم إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين, فقد روى البخاري رحمه الله ” أن الصحابة كانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين, فكان إجماعا منهم “

وإخراجها يوم العيد قبل الصلاة أفضل, فإن فاته هذا الوقت, فأخر إخراجها عن صلاة العيد, وجب عليه إخراجها قضاء, لحديث ابن عباس: من أداها قبل الصلاة, فهي زكاة مقبولة, ومن أداها بعد الصلاة, فهي صدقة من الصدقات ويكون آثما بتأخير إخراجه عن الوقت المحدد, لمخالفته أمر الرسول صلى الله عليه وسلم.

ويخرج المسلم زكاة الفطر عن نفسه وعمن يمونهم – أي: ينفق عليهم – من الزوجات والأقارب, لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: أدوا الفطرة عمن تمولون. ويستحب إخراجها عن الحمل, لفعل عثمان رضي الله عنه.

ومن لزم غيره إخراج الفطرة عنه, فأخرج هو عن نفسه بدون إذن من تلزمه, أجزأت; لأنها وجبت عليه ابتداء, والغير متحمل لها غير أصيل, وإن أخرج شخص عن شخص لا تلزمه نفقته بإذنه, أجزأت, وبدون إذنه لا تجزئ.

ولمن وجب عليه إخراج الفطرة عن غيره أن يخرج فطرة ذلك الغير مع فطرته في المكان الذي هو فيه, ولو كان المخرج عنه في مكان آخر.

ونحب أن ننقل لك كلاما لابن القيم في جنس المخرج في زكاة الفطر قال رحمه الله لما ذكر الأنواع الخمسة الواردة في الحديث: وهذه كانت غالب أقواتهم بالمدينة, فأما أهل بلد أو محلة قوتهم غير ذلك, فإنما عليهم صاع من قوتهم, فإن كان قوتهم من غير الحبوب كاللبن واللحم والسمك, أخرجوا فطرتهم من قوتهم كائنا ما كان, هذا قول جمهور العلماء, وهو الصواب الذي لا يقال بغيره, إذ المقصود سد خلة المساكين يوم العيد ومواساتهم من جنس ما يقتات أهل بلدهم, وعلى هذا فيجزئ الدقيق, وإن لم يصح فيه الحديث, وأما إخراج الخبز أو الطعام, فإنه وإن كان أنفع للمساكين, لقلة المؤونة والكلفة فيه, فقد يكون الحب أنفع لهم لطول بقائه ” انتهى.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ” يخرج من قوت بلده مثل الأرز وغيره, ولو قدر على الأصناف المذكورة في الحديث – وهو رواية عن أحمد وقول أكثر العلماء, وهو أصح الأقوال -, فإن الأصل في الصدقات أنها تجب على وجه المواساة للفقراء, انتهى.

وأما إخراج القيمة عن زكاة الفطر, بأن يدفع بدلها دراهم, فهو خلاف السنة, فلا يجزئ; لأنه لم ينقل عن النبي – صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه إخراج القيمة في زكاة الفطر.

قال الإمام أحمد: لا يعطي القيمة. قيل له: قوم يقولون: إن عمر بن عبد العزيز كان يأخذ القيمة, قال: يدعون قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون: قال فلان, وقد قال ابن عمر: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعا… الحديث ؟

ولا بد أن تصل صدقة الفطر إلى مستحقها في الموعد المحدد لإخراجها, أو تصل إلى وكيله الذي عمده في قبضها نيابة عنه, فإن لم يجد الدافع من أراد دفعها إليه, ولم يجد له وكيلا في الموعد المحدد, وجب دفعها إلى آخر.

وهنا يغلط بعض الناس, بحيث يودع زكاة الفطر عند شخص لم يوكله المستحق, وهذا لا يعتبر إخراجا صحيحا لزكاة الفطر, فيجب التنبيه عليه.

ْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ الآيات صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان

زكاة عروض التجارة

العروض جمع عرض بإسكان الراء, وهو ما أعد لبيع وشراء لأجل الربح, سمي بذلك لأنه يعرض ليباع ويشترى, أو لأنه يعرض ثم يزول.

والدليل على وجوب الزكاة في عروض التجارة: قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وقوله تعالى: وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ وعروض التجارة هي أغلب الأموال, فكانت أولى بدخولها في عموم الآيات.

وروى أبو داود عن سمرة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعده للبيع ولأنها أموال نامية, فوجبت فيها الزكاة كبهيمة الأنعام السائمة.

وقد حكى غير واحد إجماع أهل العلم على أن في العروض التي يراد بها التجارة الزكاة إذا حال عليها الحول.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ” الأئمة الأربعة وسائر الأمة إلا من شذ متفقون على وجوبها في عروض التجارة, سواء كان التاجر مقيما أو مسافرا, وسواء كان متربصا – وهو الذي يشتري التجارة وقت رخصها ويدخرها إلى وقت ارتفاع السعر – أو مديرا – كالتجار الذين في الحوانيت -, سواء كانت التجارة بزا من جديد أو لبيس أو طعاما من قوت أو فاكهة أو أدم أو غير ذلك, أو كانت آنية كالفخار ونحوه, أو حيوانا من رقيق أو خيل أو بغال أو حمير أو غنم معلفة أو غير ذلك, فالتجارات هي أغلب أموال أهل الأمصار الباطنة, كما أن الحيوانات الماشية هي أغلب الأموال الظاهرة ” انتهى كلام الشيخ رحمه الله.

ويشترط لوجوب الزكاة في عروض التجارة شروط

الشرط الأول: أن يملكها بفعله, كالبيع, وقبول الهبة, والوصية, والإجارة, وغير ذلك من وجوه المكاسب.

الشرط الثاني: أن يملكها بنية التجارة, بأن يقصد التكسب بها; لأن الأعمال بالنيات, والتجارة عمل, فوجب اقتران النية به كسائر الأعمال.

الشرط الثالث: أن تبلغ قيمتها نصابا من أحد النقدين.

الشرط الرابع: تمام الحول عليها, لقوله صلى الله عليه وسلم: لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول لكن لو اشترى عرضا بنصاب من النقود أو بعروض تبلغ قيمتها نصابا, بنى على حول ما اشترها به.

وكيفية إخراج زكاة العروض, أنها تقوم عند تمام الحول بأحد النقدين: الذهب أو الفضة, ويراعى في ذلك الأحظ للفقراء, فإذا قومت وبلغت قيمتها نصابا بأحد النقدين, أخرج ربع العشر من قيمتها, ولا يعتبر ما اشتريت به, بل يعتبر ما تساوي عند تمام الحول; لأنه هو عين العدل بالنسبة للتاجر وبالنسبة لأهل الزكاة.

ويجب على المسلم الاستقصاء والتدقيق ومحاسبة نفسه في إخراج زكاة العروض, كمحاسبة الشريك الشحيح لشريكه, بأن يحصي جميع ما عنده من عروض التجارة بأنواعها, ويقومها تقييما عادلا, فصاحب البقالة مثلا يحصي جميع ما في بقالته من أنواع المعروضات للبيع من المعلبات وأصناف البضائع, وصاحب الآليات وقطع الغيار والمكائن والسيارات المعروضة للبيع يحصيها ويقومها, وصاحب الأراضي والعمارات المعروضة للبيع يقومها بما تساوي, أما العمارات والبيوت والسيارات المعدة للإيجار, فلا زكاة في ذواتها, وإنما تجب الزكاة فيما تحصل عليه صاحبها من إجارها إذا حال عليه الحول, والبيوت المعدة للسكنى والسيارات المعدة للركوب والحاجة لا زكاة فيها, وكذلك أثاث المنزل وأثاث الدكان وآلات التاجر, كالأذرع, والمكاييل, والموازين, وقوارير العطار, كل هذه الأشياء لا زكاة فيها; لأنها لا تباع للتجارة.

أيها المسلم! أخرج زكاة مالك عن طيب نفس واحتساب, واعتبرها مغنما لك في الدنيا والآخرة, ولا تعتبرها مغرما, قال الله تعالى: وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فكل من الصنفين يخرج الزكاة, ويعامل عند الله على حسب نيته وقصده, فهؤلاء أخرجوها ونووها مغرما يتسترون بها عن حكم الإسلام فيهم, وينتظرون أن تدور الدائرة على المسلمين, لينتقموا منهم, فصار جزاءهم أن عليهم دائرة السوء, وحرموا الثواب, وخسروا من أموالهم, والمؤمنون يعتبرون الزكاة حين يخرجونها قربات لهم, فهؤلاء يوفر لهم الأجر, ويخلف عليهم ما أنفقوا بخير منه أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ لنيتهم الحسنة ومقصدهم الأسمى.

فاتق الله أيها المسلم, واستشعر هذه المعاني وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

ْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ الآيات صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان