Mozaik Islam

زكاة النقدين

اعلم وفقنا الله وإياك أن المراد بزكاة النقدين زكاة الذهب والفضة وما اشتق منهما من نقود وحلي وسبائك وغير ذلك.

والدليل على وجوب الزكاة في الذهب والفضة الكتاب والسنة والإجماع.

قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ففي الآية الكريمة الوعيد الشديد بالعذاب الأليم لمن لم يخرج زكاة الذهب والفضة.

وفي ” الصحيحين “: ما من ذهب ولا فضة لا يؤدى حقها, إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار… الحديث.

واتفق الأئمة على أن المراد بالكنز المذكور في القرآن والحديث كل ما وجبت فيه الزكاة فلم تؤد زكاته, وأن ما أخرجت زكاته, فليس بكنز, والكنز: كل شيء مجموع بعضه على بعض, سواء كنزه في بطن الأرض أم على ظهرها.

فتجب الزكاة في الذهب إذا بلغ عشرين مثقالا, وفي الفضة إذا بلغت مائتي درهم إسلامي, ربع العشر منهما, سواء كانا مضروبين أو غير مضروبين, لحديث ابن عمرو عن عائشة رضي الله عنهما مرفوعا: أنه كان يأخذ من كل عشرين مثقالا نصف مثقال رواه ابن ماجه, وفي حديث أنس رضي الله عنه مرفوعا: في الرقة ربع العشر متفق عليه. والرقة – بكسر الراء وتخفيف القاف – هي الفضة الخالصة, مضروبة كانت أو غير مضروبة. والمثقال في الأصل مقدار من الوزن. قال الفقهاء: ” وزنه اثنتان وسبعون حبة شعير من الشعير الممتلئ معتدل المقدار.

ونصاب الذهب بالجنيه السعودي أحد عشر جنيها وثلاثة أسباع جنيه, ونصاب الفضة بالريال العربي السعودي ستة وخمسون ريالا أو ما يعادل صرفها من الورق النقدي المستعمل في هذا الزمان.

ويخرج من الذهب والفضة إذا بلغ كل منهما النصاب المحدد له فأكثر ربع العشر.

ما يباح للرجل لبسه من الذهب والفضة

يباح للذكر أن يتخذ خاتما من الفضة; لأن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من ورق, متفق عليه.

ويحرم عليه اتخاذ الخاتم من الذهب فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم الرجال عن التحلي بالذهب, وشدد النكير على من فعله, وقال صلى الله عليه وسلم: يعمد أحدكم إلى جمرة من نار جهنم, فيجعلها في يده.

ويباح للذكر أيضا من الذهب ما دعت إليه حاجة, كأنف, ورباط أسنان, لأن عرفجة بن سعد قطع أنفه يوم الكلاب, فاتخذ أنفا من فضة, فأنتن عليه, فأمره النبي صلى الله عليه وسلم فاتخذ أنفا من ذهب رواه أبو داود والحاكم وصححه.

ما يباح للنساء التحلي به من الذهب والفضة

يباح للنساء من الذهب والفضة ما جرت عادتهن بلبسه; لأن الشارع أباح لهن التحلي مطلقا, قال النبي صلى الله عليه وسلم: أحل الذهب والحرير لإناث أمتي, وحرم على ذكورها رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي, فدل على إباحة التحلي بالذهب والفضة للنساء, وأجمع العلماء على ذلك.

ولا زكاة في حلي النساء من الذهب والفضة إذا كان معدا للاستعمال أو للإعارة, لقوله صلى الله عليه وسلم: ليس في الحلي زكاة رواه الطبراني عن جابر بسند ضعيف, لكن يعضده ما جرى العمل عليه, وقال به جماعة من الصحابة, منهم أنس, وجابر, وابن عمر, وعائشة, وأسماء أختها, قال أحمد: ” فيه عن خمسة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم, ولأنه عدل به عن النماء إلى فعل مباح أشبه ثياب البذلة وعبيد الخدمة ودور السكنى.

وإن أعد الحلي للكري, أو أعد لأجل النفقة – أي: اتخذ رصيدا للحاجة -, أو أعد للقنية, أو للادخار, أو لم يقصد به شيء مما سبق, فهو باق على أصله, تجب فيه الزكاة; لأن الذهب والفضة تجب فيهما الزكاة, وإنما سقط وجوبها فيما أعد للاستعمال أو العارية, فيبقى وجوبها فيما عداه على الأصل إذا بلغ نصابا بنفسه أو بضمه إلى مال آخر, فإن كان دون النصاب, ولم يمكن ضمه إلى مال آخر, فلا زكاة فيه, إلا إذا كان معدا للتجارة, فإنها تجب الزكاة في قيمته.

حكم تمويه الحيطان وغيرها بالذهب والفضة واتخاذ الأواني منهما

يحرم أن يموه سقف أو حائط بذهب أو فضة, أو يموه شيء من السيارة أو مفاتيحها بهما, كل ذلك حرام على المسلم, ويحرم تمويه قلم أو دواة بذهب أو فضة; لأن ذلك سرف وخيلاء.

ويحرم اتخاذ الأواني من الذهب والفضة, أو تمويه الأواني بذلك, قال صلى الله عليه وسلم: الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم.

كما أنه يشتد الوعيد على من لبس خاتم الذهب من الرجال, ولكن مع الأسف ترى بعض المسلمين يلبسون خواتيم الذهب في أيديهم, غير مبالين بالوعيد, أو يجهلونه, فالواجب على هؤلاء التوبة إلى الله من التحلي بالذهب,والاكتفاء بما أباح الله من خاتم الفضة, ففي الحلال غنية عن الحرام وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا.

نسأل الله للجميع البصيرة في دينه والعمل بشرعه والإخلاص لوجهه.

ْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ الآيات صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان

زكاة الحبوب والثمار والعسل والمعدن والركاز

قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ.

والزكاة تسمى نفقة, كما قال تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي: لا يخرجون زكاتها.

وقد استفاضت السنة المطهرة بالأمر بإخراج زكاة الحبوب والثمار وبيان مقدارها, وأجمع المسلمون على وجوبها في البر والشعير والتمر والزبيب, فتجب الزكاة في الحبوب كلها, كالحنطة, والشعير, والأرز, والدخن, وسائر الحبوب, قال عليه الصلاة والسلام: ليس فيما دون خمسة أوساق من حب ولا تمر صدقة وقال عليه الصلاة والسلام: فيما سقت السماء والعيون العشر رواه البخاري.

وتجب الزكاة في الثمار كالتمر والزبيب ونحوهما من كل ما يكال ويدخر, ولا تجب الزكاة إلا فيما يبلغ النصاب, لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه يرفعه: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة رواه الجماعة, والوسق ستون صاعا بالصاع النبوي, الذي مقداره أربع حفنات, بكفي الرجل المعتدل الخلقة.

ويشترط في زكاة الحبوب والثمار أن يكون النصاب مملوكا له وقت وجوب الزكاة, وهو بدو الصلاح في الثمر, واشتداد الحب في الزرع, فيشترط لوجوب الزكاة في الحبوب والثمار شرطان

الأول: بلوغ النصاب على ما سبق بيانه.

الثاني: أن يكون مملوكا له وقت وجوب الزكاة.

فلو ملك النصاب بعد ذلك, لم تجب عليه فيه زكاة, كما لو اشتراه, أو أخذه أجرة لحصاده, أو حصله باللقاط.

والقدر الواجب إخراجه في زكاة الحبوب والثمار, يختلف باختلاف وسيلة السقي:

فإذا سقي بلا مؤنة من السيول والسيوح وما شرب بعروقه كالبعل, يجب فيه العشر, لما في ” الصحيح ” من حديث ابن عمر: فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر. ولمسلم عن جابر: فيما سقت الأنهار والغيم العشر.

– ويجب فيما سقي بمؤنة من الآبار وغيرها نصف العشر, لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر: وما سقي بالنضح نصف العشر رواه البخاري, والنضح: السقي بالسواني, ولمسلم عن جابر: وفيما سقي بالسانية نصف العشر.

ووقت وجوب الزكاة في الحبوب حين تشتد, وفي الثمر حينما يبدو صلاحه, بأن يحمر أو يصفر, فلو باعه بعد ذلك, وجبت زكاته عليه لا على المشتري.

ويلزم إخراج الحب مصفى, أي: منقى من التبن والقشر, ويعتبر إخراج الثمر يابسا; لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بخرص العنب زبيبا, وتؤخذ زكاته زبيبا, كما تؤخذ زكاة النخل تمرا, ولا يسمى زبيبا وتمرا إلا اليابس.

وتجب الزكاة في العسل إذا أخذه من ملكه أو من الموات, كرءوس الجبال, إذا بلغ ما أخذه نصابا, ونصاب العسل ثلاثون صاعا بالصاع النبوي, ومقدار ما يجب فيه هو العشر.

وتجب الزكاة في المعدن, لقوله تعالى: أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ والمعدن هو المكان الذي عدن فيه شيء من جواهر الأرض, فهو مستفاد من الأرض, فوجبت فيه الزكاة, كالحبوب والثمار, فإن كان المعدن ذهبا أو فضة, ففيه ربع العشر إذا بلغ نصابا فأكثر, وإن كان غيرهما كالكحل والزرنيخ والكبريت والملح والنفط, فيجب فيه ربع عشر قيمته إن بلغت قيمته نصابا فأكثر من الذهب والفضة.

وتجب الزكاة في الركاز, وهو ما وجد مدفونا من أموال الكفار من أهل الجاهلية, سمي ركازا; لأنه غيب في الأرض, كما تقول: ركزت الرمح, ويجب فيه الخمس في قليله وكثيره, لقوله صلى الله عليه وسلم: وفي الركاز الخمس متفق عليه.

ويعرف كونه من أموال الكفار بوجود علامة الكفار عليه أو على بعضه, بأن يوجد عليه أسماء ملوكهم, أو عليه رسم صلبانهم, فإذا أخرج خمسه, فباقيه لواجده.

وإن وجد على المال المدفون أو على بعضه علامة المسلمين, أو لم يجد عليه علامة أصلا, فحكمه حكم اللقطة.

وما أخذ من زكاة الركاز يصرف في مصالح المسلمين كمصرف الفيء.

مما سبق يتبين لنا أن الخارج من الأرض أنواع هي:

1- الحبوب والثمار.

2- المعادن على اختلافها.

3- العسل.

4- الركاز.

وكل هذه الأنواع, داخلة في قوله تعالى: أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وقوله تعالى: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ

إن الزكاة إنما تجب فيما يكال ويدخر من الحبوب والثمار, فما لا يكال ولا يدخر منها, لا تجب فيه الزكاة, كالجوز, والتفاح, والخوخ, والسفرجل, والرمان, ولا في سائر الخضروات والبقول, كالفجل, والثوم, والبصل, والجزر, والبطيخ, والقثاء, والخيار, والباذنجان, ونحوها, لحديث علي رضي الله عنه مرفوعا: ليس في الخضروات صدقة رواه الدارقطني, ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة فاعتبر الكيل لما تجب فيه الزكاة, فدل على عدم وجوبها فيما لا يكال ويدخر, وتركه صلى الله عليه وسلم هو وخلفاؤه لها وهي تزرع بجوارهم فلا تؤدى زكاتها لهم دليل على عدم وجوب الزكاة فيها, فترك أخذ الزكاة منها هو السنة المتبعة.

– قال الإمام أحمد: ” ما كان مثل الخيار والقثاء والبصل والرياحين, فليس فيه زكاة, إلا أن يباع, ويحول على ثمنه الحول “.

ْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ الآيات صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان

زكاة بهيمة الأنعام

اعلم أن من جملة الأموال التي أوجب الله فيها الزكاة بهيمة الأنعام, وهي: الإبل, والبقر, والغنم, بل هي في طليعة الأموال الزكوية, فقد دلت على وجوب الزكاة فيها الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم, وكتبه في شأنها وكتب خلفائه معروفة مشهورة في بيان فرائضها وبعث السعاة لجبايتها من قبائل العرب حول المدينة وغيرها على امتداد الساحة الإسلامية.

فتجب الزكاة في الإبل والبقر والغنم بشرطين

الشرط الأول: أن تتخذ لدر ونسل لا للعمل; لأنها حينئذ تكثر منافعها ويطيب نماؤها بالكبر والنسل, فاحتملت المواساة.

الشرط الثاني: أن تكون سائمة – أي: راعية -, لقوله صلى الله عليه وسلم: في كل إبل سائمة في كل أربعين ابنة لبون رواه أحمد وأبو داود والنسائي, والسوم: الرعي, فلا تجب الزكاة في دواب تعلف بعلف اشتراه لها أو جمعه من الكلأ أو غيره, هذا إذا كانت تعلف الحول كله أو أكثره.

أولا: زكاة الإبل

وإذا توفرت الشروط, وجب في كل خمسة من الإبل شاة, وفي العشر شاتان, وفي خمس عشرة ثلاث شياه, وفي عشرين أربع شياه, كما دل على ذلك السنة والإجماع.

فإذا بلغت خمسا وعشرين, ففيها بنت مخاض, وهي ما تم لها سنة ودخلت في السنة الثانية, سميت بذلك لأن أمها تكون في الغالب قد مخضت, أي: حملت, وليس كونها ماخضا شرطا, وإنما هذا تعريف لها بغالب أحوالها, فإن عدمها أجزأ عنها ابن لبون, لحديث أنس: فإن لم يكن فيها بنت مخاض ففيها ابن لبون ذكر رواه أبو داود, ويأتي بيان معنى ابن اللبون.

وإذا بلغت الإبل ستا وثلاثين, وجب فيها بنت لبون, لحديث أنس, وفيه: فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين, ففيها بنت لبون أنثى وكما دل على ذلك الإجماع, وبنت اللبون هي ما تم لها سنتان, لهذا سميت بذلك; لأن أمها تكون في الغالب قد وضعت حملها, فكانت ذات لبن, وليس هذا شرطا, لكنه تعريف لها بالغالب.

فإذا بلغت الإبل ستا وأربعين, وجب فيها حقة, وهي ما تم لها ثلاث سنين, سميت بذلك لأنها بهذا السن استحقت أن يطرقها الفحل وأن يحمل عليها وتركب.

فإذا بلغت الإبل إحدى وستين, وجب فيها جذعة, وهي ما تم لها أربع سنين, سميت بذلك لأنها إذا بلغت هذا السن تجذع, أي: يسقط سنها. والدليل على وجوب الجذعة في هذا المقدار من الإبل ما في ” الصحيح ” من قول الرسول صلى الله عليه وسلم فإذا بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين, ففيها جذعة وقد أجمع العلماء على ذلك.

فإذا بلغ مجموع الإبل ستا وسبعين, وجب فيها بنتا لبون اثنتان للحديث الصحيح, وفيه: فإذا بلغت ستا وسبعين إلى تسعين, ففيها بنتا لبون “

فإذا بلغت الإبل إحدى وتسعين, وجب فيها حقتان, للحديث الصحيح الذي جاء فيه: فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة, ففيها حقتان طروقتا الفحل وللإجماع على ذلك.

فإذا زاد مجموع الإبل عن مائة وعشرين بواحدة, وجب فيها ثلاث بنات لبون, لحديث الصدقات الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم, ولفظه: فإذا زادت على عشرين ومائة “, ففي كل خمسين حقة, وفي كل أربعين بنت لبون, ثم يجب على كل أربعين بنت لبون وعن كل خمسين حقة

ثانيا: زكاة البقر

وأما البقر, فتجب فيها الزكاة بالنص والإجماع, ففي ” الصحيحين عن جابر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها, إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه, تنطحه بقرونها, وتطؤه بأخفافها. وقد ثبت عن معاذ رضي الله عنه, أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن, أمره أن يأخذ صدقة البقر: من كل ثلاثين تبيعا, ومن كل أربعين مسنة رواه أحمد والترمذي.

فيجب فيها إذا بلغت ثلاثين تبيع أو تبيعة قد تم لكل منهما سنة ودخل في السنة الثانية, سمي بذلك لأنه يتبع أمه في السرح.

ولا شيء فيما دون الثلاثين: لحديث معاذ, قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثني إلى اليمن أن لا آخذ من البقر شيئا حتى تبلغ ثلاثين

فإذا بلغ مجموع البقر أربعين, وجب فيها بقرة مسنة, وهي ما تم لها سنتان, لحديث معاذ, قال: وأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن آخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعا أو تبيعة, ومن كل أربعين مسنة رواه الخمسة, وصححه ابن حبان والحاكم.

– فإذا زاد مجموع البقر على أربعين, وجب قي كل ثلاثين منها تبيع, وفي كل أربعين مسنة.

والمسنة: هي التي قد صارت ثنية, سميت مسنة لزيادة سنها, ويقال لها: ثنية.

ثالثا: زكاة الغنم

الأصل في وجوب الزكاة في الغنم السنة والإجماع, ففي الصحيح عن أنس أن أبا بكر كتب له: هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين والتي أمر الله بها رسوله… إلى أن قال: وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة… الحديث.

فإذا بلغ مجموع الغنم أربعين ضأنا كانت أو معزا, ففيها شاة: واحدة, وهي جذع ضأن أو ثني معز, لحديث سويد بن غفلة, قال: أتانا مصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أمرنا أن نأخذ الجذعة من الضأن, والثنية من المعز, وجذع الضأن ما تم له ستة أشهر, وثني المعز ما تم له سنة

ولا زكـاة في الغنم إذا نقص عددها عن أربعين, لحديث أبي بكـر في ” الصحيحين “, وفيه: فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة عن أربعين شاة شاة واحدة, فلا شيء فيها, إلا إن شاء ربها.

فإذا بلغ مجموع الغنم مائة وإحدى – وعشرين, وجب فيها – شاتان, لحديث أبي بكر الذي مر معنا قريبا, وفيه: ” فإذا زادت على عشرين ومائة, ففيها شاتان “.

فإذا بلغت مائتين وواحدة, وجب فيها ثلاث شياه, لحديث أبي بكر, وفيه: فإذا زادت على مائتين, ففيها ثلاث شياه.

– ثم تستقر الفريضة فيها بعد هذا المقدار, فيتقرر في كل مائة شاة ففي أربع مائة أربع شياه, وفي خمس مائة خمس شياه, وفي ست مائة ست شياه. وهكذا, ففي كتاب الصدقات الذي عمل به أبو بكر رضي الله عنه حتى مات وعمر حتى توفي رضي الله عنه, فيه: وفي الغنم من أربعين شاة شاة إلى عشرين ومائة, فإذا زادت شاة, ففيها شاتان إلى مائتين, فإذا زادت واحدة, ففيها ثلاث شياه إلى ثلاث مائة, فإذا زادت بعد, فليس فيها شيء, حتى تبلغ أربع مائة, فإذا كثرت الغنم, ففي كل مائة شاة رواه الخمسة إلا النسائي.

ولا تؤخذ هرمة ولا معيبة لا تجزئ في الأضحية, إلا إذا كانت كل الغنم كذلك, ولا تؤخذ الحامل ولا الربي التي تربي ولدها ولا طروقة الفحل, أي: التي طرقها الفحل; لأنها تحمل غالبا, لحديث أبي بكر في ” الصحيحين “, قال: لا يخرج قي الصدقة هرمة, ولا ذات عوار, ولا تيس, إلا أن يشاء المصدق وقال تعالى: وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وقال عليه الصلاة والسلام: ولكن من أوسط أموالكم, فإن الله لم يسألكم خياره, ولم يأمركم بشراره ولا تؤخذ كريمة, وهي النفيسة التي تتعلق بها نفس صاحبها, ولا تؤخذ أكولة, وهي السمينة المعدة للأكل, أو هي كثيرة الأكل, فتكون سمينة بسبب ذلك, قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه لما بعثه إلى اليمن: إياك وكرائم أموالهم متفق عليه.

والمأخوذ في الصدقات العدل, كما قال عليه الصلاة والسلام: ولكن من أوسط أموالكم وتؤخذ المريضة من نصاب كله مراض; لأن الزكاة وجبت للمواساة, وتكليفه الصحيحة عن المراض إجحاف به, وتؤخذ الصغيرة من نصاب كله صغار من الغنم خاصة.

وإذا شاء صاحب المال أن يخرج أفضل مما وجب عليه, فهو أفضل وأكثر أجرا. وإن كان المال مختلطا من كبار وصغار أو صحاح ومعيبات أو ذكور وإناث, أخذت أنثى صحيحة كبيرة على قدر قيمة المالين, فيقوم – المال كبارا ويعرف ما يجب فيه ثم يقوم صغارا كذلك, ثم يؤخذ بالقسط, وهكذا الأنواع الأخرى من صحاح ومعيبات أو ذكور وإناث, فلو كانت قيمة المخرج من الزكاة إذا كان النصاب كبارا صحاحا عشرين, وقيمته إذا كان صغارا مراضا عشرة, فيخرج النصف من هذا والنصف من هذا, أي: ما يساوي خمسة عشر.

ومن مباحث زكاة الماشية معرفة حكم الخلطة فيها, بأن يكون مجموع الماشية المختلطة مشتركا بين شخصين فأكثر, والخلطة نوعان.

النوع الأول: خلطة أعيان: بأن يكون المال مشتركا – مشاعا بينهما, لم يتميز نصيب أحدهما عن الآخر, كأن يكون لأحدهما نصف هذه الماشية أو ربعها ونحوه.

النوع الثاني: خلطة أوصاف: بأن يكون نصيب كل منهما متميزا معروفا, لكنهما متجاوران.

وكل واحدة من الخلطتين تؤثر في الزكاة إيجابا وإسقاطا وتغليظا وتخفيفا, فالخلطة بنوعيها تصير الحالين المختلطين كالمال الواحد بشروط:

الأول: أن يكون المجموع نصابا, فإن نقص عن النصاب, لم يجب فيه شيء, والمقصود أن يبلغ المجموع النصاب, ولو كان ما لكل واحد ناقص عن النصاب.

الشرط الثاني: أن يكون الخليطان من أهل وجوب الزكاة, فلو كان أحدهما ليس من أهل الزكاة, كالكافر, لم تؤثر الخلطة, وصار لكل قسم حكمه.

الشرط الثالث: أن يشترك المالان المختلطان في المراح, وهو المبيت والمأوى, ويشتركا في المسرح, وهو المكان الذي تجتمع فيه لتذهب للمرعى, ويشتركا في المحلب, وهو موضع الحلب, فلو حلب أحد الشريكين ماشيته في مكان وحلب الآخر ماشيته في مكان آخر, لم تؤثر الخلطة, وأن يشتركا قي فحل, بأن لا يكون لكل نصيب فحل مستقل, بل لا بد أن يطرقها فحل واحد, وأن يشتركا في مرعى, بأن يرعى مجموع الماشية في مكان واحد, فإن اختلف المرعى, فرعى نصيب أحدهما في مكان غير المكان الذي يرعى فيه خليطه, لم تؤثر الخلطة.

فإذا تمت هذه الشروط, صار المالان المختلطان كالمال الواحد, لقوله صلى الله عليه وسلم: لا يجمع بين متفرق, ولا يفرق بين مجتمع, خشية الصدقة, وما كان من خليطين فإنهما يتراجعا بينهما بالسوية رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه, وحسنه الترمذي.

فلو كان لإنسان شاة ولآخر تسع وثلاثون, أو كان لأربعين رجلا أربعون شاة, لكل واحد شاة, واشتركا حولا تاما, مع توفر الشروط التي ذكرنا, فعليهم شاة واحدة على حسب ملكهم, ففي المثال الأول يكون على صاحب الشاة ربع عشر شاة, وعلى صاحب التسع والثلاثين باقيها, وفي المثال الثاني على كل واحد من الأربعين ربع عشر الشاة, ولو كان لثلاثة مائة وعشرون, لكل واحد أربعون, فعلى الجميع شاة واحدة أثلاثا.

وكما أن الخلطة تؤثر على النحو الذي رأيت, فكذلك التفريق يؤثر عند الإمام أحمد, فإذا كانت سائمة الرجل متفرقة, كل قسم منها يبعد عن الآخر فوق مسافة القصر, صار لكل منهما حكمه, ولا تعلق له بالآخر, فإن كان نصابا, وجبت فيه الزكاة, وإن نقص النصاب, فلا شيء فيه, فلا يضم كل قسم إلى الآخر, هذا قول الإمام أحمد.

وقال جمهور العلماء بعدم تأثير الفرقة في مال الشخص الواحد, فيضم بعضه إلى بعض الحكم, ولو كان متفرقا, وهذا هو الراجح. والله أعلم.

ْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ الآيات صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان

بمشروعية الزكاة ومكانتها

اعلموا وفقني الله وإياكم أنه لا بد من معرفة تفاصيل أحكام الزكاة وشروطها وبيان من تجب عليه ومن تجب له وما تجب فيه من الأموال.

فالزكاة أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام – كما تظاهرت بذلك دلالة الكتاب والسنة -, وقد قرنها الله تعالى بالصلاة في كتابه في اثنين وثمانين موضعا, مما يدل على عظم شأنها, وكمال الاتصال بينها وبين الصلاة, ووثاقة الارتباط بينهما, حتى قال صديق هذه الأمة وخليفة الرسول الأول أبو بكر الصديق: ” لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ” قال الله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وقال تعالى: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ وقال النبي – صلى الله عليه وسلم: بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله, وإقام الصلاة, وإيتاء الزكاة… الحديث.

وأجمع المسلمون على فرضيتها, وأنها الركن الثالث من أركان الإسلام, وعلى كفر من جحد وجوبها, وقتال من منع إخراجها.

فرضت في السنة الثانية للهجرة النبوية, وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم السعاة لقبضها وجبايتها لإيصالها إلى مستحقيها, ومضت بذلك سنة الخلفاء الراشدين وعمل المسلمين.

وفي الزكاة إحسان إلى الخلق, وهي مطهرة للمال من الدنس, وحصانة له من الآفات, وعبودية للرب سبحانه, قال الله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وبالتالي, فهي تطهير للنفوس من الشح والبخل, وامتحان للغني حيث يتقرب إلى الله بإخراج شيء من ماله المحبوب إليه.

وقد أوجبها الله في الأموال التي تحتمل المواساة. ويكثر فيها النمو والربح – ما ينمو فيها بنفسه كالماشية والحرث, وما ينمو بالتصرف وإدارته في التجارة كالذهب والفضة وعروض التجارة -, وجعل الله قدر المخرج في الزكاة على حسب التعب في المال الذي تخرج منه,. فأوجب في الركاز, وهو ما وجد من أموال الجاهلية – الخمس, وما فيه التعب من طرف واحد – وهو ما سقي بلا مؤنة – نصف الخمس, وما وجد فيه التعب من طرفين ربع الخمس, وفيما يكثر فيه التعب والتقلب – كالنقود – وعروض التجارة ثمن الخمس.

وقد سماها الله بالزكاة, لأنها تزكي النفس والمال, فهي ليست غرامة ولا ضريبة تنقص الحال وتضر صاحبه, بل هي على العكس تزيد المال نموا من حيث لا يشعر الناس, قال صلى الله عليه وسلم: ما – نقص مال من صدقة

والزكاة في الشرع حق واجب في مال خاص لطائفة مخصوصة في وقت مخصوص, هو تمام الحول في الماشية والنقود وعروض التجارة, وعند اشتداد الحب وبدو الصلاح في الثمار, وحصول ما تجب فيه من العسل, واستخراج ما تجب فيه من المعادن, وغروب الشمس ليلة العيد في زكاة الفطر.

وتجب الزكاة على المسلم إذا توفرت فيه شروط خمسة

أحدها: الحرية, فلا تجب على مملوك; لأنه لا مال له, وما بيده ملك لسيده, فتكون زكاته على السيد.

الشرط الثاني: أن يكون صاحب المال مسلما, فلا تجب على كافر, بحيث لا يطالب بأدائها; لأنها قربة وطاعة, والكافر ليس من أهل القربة والطاعة, ولأنها تحتاج إلى نية, ولا تتأتى من الكافر, أما وجوبها عليه بمعنى أنه مخاطب بها ويعاقب عليها في الآخرة عقابا خاصا, فمحل خلاف بين أهل العلم, وفي حديث معاذ رضي الله عنه: فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله, ثم ذكر الصلاة, ثم قال: ” فإن هم أطاعوك, فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة, تؤخذ من أغنيائهم, فترد على فقرائهم ” متفق عليه, فجعل الإسلام شرطا لوجوب الزكاة.

الشرط الثالث: امتلاك نصاب, فلا تجب فيما دون النصاب, وهو قدر معلوم من المال يأتي تفصيله, سواء كان مالك النصاب كبيرا أو صغيرا, عاقلا أو مجنونا, لعموم الأدلة.

الشرط الرابع: استقرار الملكية, بأن لا يتعلق بها حق غيره, فلا زكاة في مال لم تستقر ملكيته, كدين الكتابة; لأن المكاتب يملك تعجيز نفسه, ويمتنع من الأداء.

الشرط الخامس: مضي الحول على المال, لحديث عائشة رضي الله عنها: لا زكاة قي مال حتى يحول عليه الحول رواه ابن ماجه, وروى الترمذي معناه.

وهذا في غير الخارج من الأرض كالحبوب والثمار, فأما الخارج من الأرض, فتجب فيه الزكاة عند وجوده فلا يعتبر فيه الحول, وإنما يبقى تمام الحول مشترطا في النقود والماشية وعروض التجارة رفقا بالمالك, ليتكامل النماء فيها.

ونتاج البهائم التي تجب فيها الزكاة وربح التجارة حولهما حول أصلهما, فلا يشترط أن يأتي عليهما حول مستقل إذا كان أصلهما! قد بلغ النصاب, فإن لم يكن كذلك, ابتدئ الحول من تمامهما النصاب.

ومن له دين على معسر, فإنه يخرج زكاته إذا قبضه لعام واحد على الصحيح, وإن كان له دين على مليء باذل, فإنه يزكيه كل عام.

وما أعد من الأموال للقنية والاستعمال, فلا زكاة فيه, كدور السكنى, وثياب البذلة, وأثاث المنزل, والسيارات, والدواب المعدة للركوب والاستعمال.

وما أعد للكراء كالسيارات والدكاكين والبيوت, فلا ” زكاة في أصله, وإنما تجب الزكاة في أجرته إذا بلغت النصاب بنفسها أو بضمها إلى غيرها وحال عليها الحول.

ومن وجبت عليه الزكاة, ثم مات قبل إخراجها, ” وجب إخراجها من تركته, فلا تسقط بالموت, لقوله صلى الله عليه وسلم: فدين الله أحق بالوفاء رواه البخاري ومسلم وغيرهما, فيخرجهما الوارث أو غيره من تركة الميت; لأنها حق واحب, فلا تسقط بالموت, وهي دين في ” ذمة الميت, يجب إبراؤه منها.

ْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ الآيات صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان

أحكام التعزية وزيارة القبور

وتسن تعزية المصاب بالميت, وحثه على الصبر والدعاء للميت, لما روى ابن ماجه – وإسناده ثقات – عن عمرو بن حزم مرفوعا: ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة, إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة ووردت بمعناه أحاديث.ولفظ التعزية أن يقول: ” أعظم الله أجرك, وأحسن عزاءك, وغفر لميتك “

ولا ينبغي الجلوس للعزاء والإعلان عن ذلك كما يفعل بعض الناس اليوم, ويستحب أن يعد لأهل الميت طعامًا يبعثه إليهم لقوله صلى الله عليه وسلم: اصنعوا لآل جعفر طعاما, فقد جاءهم ما يشغلهم رواه أحمد والترمذي وحسنه.

أما ما يفعله بعض الناس اليوم من أن أهل البيت يهيئون مكانا لاجتماع الناس عندهم, ويصنعون الطعام, ويستأجرون المقرئين لتلاوة القرآن, ويتحملون في ذلك تكاليف مالية, فهذا من المآتم المحرمة المبتدعة, لما روى الإمام أحمد عن جرير بن عبد الله, قال: ” كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة ” إسناده ثقات.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ” جمع أهل المصيبة الناس على طعامهم ليقرئوا ويهدوا له ليس معروفا عند السلف, وقد كرهه طوائف من أهل العلم من غير وجه “, انتهى.

وقال الطرطوشي: ” فأما المآتم, فممنوعة بإجماع العلماء, والمأتم هو الاجتماع على المصيبة, وهو بدعة منكرة, لم ينقل فيه شيء, وكذا ما بعده من الاجتماع في الثاني والثالث والرابع والسابع والشهر والسنة, فهو طامة, وإن كان من التركة وفي الورثة محجور عليه أو من لم يأذن, حرم فعله, وحرم الأكل منه ” انتهى.

وتستحب زيارة القبور للرجال خاصة, لأجل الاعتبار والاتعاظ, ولأجل الدعاء للأموات والاستغفار لهم, لقوله صلى الله عليه وسلم: كنت نهيتكم عن زيارة القبور, فزوروها رواه مسلم والترمذي, وزاد: فإنها تذكركم الآخرة,, ويكون ذلك بدون سفر, فزيارة القبور تستحب بثلاث شروط:

1 – أن يكون الزائر من الرجال لا النساء; لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لعن الله زوارات القبور

2- أن تكون بدون سفر, لقوله صلى الله عليه وسلم: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد

3- أن يكون القصد منها الاعتبار والاتعاظ والدعاء للأموات, فإن كان القصد منها التبرك بالقبور والأضرحة وطلب قضاء الحاجات وتفريج الكربات من الموتى فهذه زيارة بدعية شركية.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ” زيارة القبور على نوعين: شرعية وبدعية, فالشرعية: المقصود بها السلام على الميت والدعاء له كما يقصد بالصلاة على جنازته من غير شد رحل, والبدعية: أن يكون قصد الزائر أن يطلب حوائجه من ذلك الميت, وهذا شرك أكبر, أو يقصد الدعاء عند قبره, أو الدعاء به, وهذا بدعة منكرة, ووسيلة إلى الشرك, وليس من سنة النبي صلى الله عليه وسلم, ولا استحبه أحد من سلف الأمة وأئمتها, انتهى, والله تعالى أعلم, وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

ْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ الآيات صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان

حمل الميت ودفنه

حمل الميت ودفنه من فروض الكفاية على من علم بحاله من المسلمين, ودفنه مشروع بالكتاب والسنة, قال الله تعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا وقال تعالى: ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ أي: جعله مقبورا, والأحاديث في دفن الميت مستفيضة, وهو بر وطاعة وإكرام للميت واعتناء به.

ويسن اتباع الجنازة وتشييعها إلى قبرها, ففي ” الصحيحين “: من شهد جنازة حتى يصلى عليها, فله قيراط, ومن شهدها حتى تدفن, فله قيراطان. قيل: وما القيراطان, قال: مثل الجبلين العظيمين وللبخاري بلفظ: من شيع ولمسلم بلفظ: من خرج معها, ثم تبعها حتى تدفن ففي الحديث برواياته الحث على تشييع الجنازة إلى قبرها.

ويسن لمن تبعها المشاركة في حملها إن أمكن, ولا بأس بحملها في سيارة أو على دابة, لا سيما إذا كانت المقبرة بعيدة.

ويسن الإسراع بالجنازة, لقوله صلى الله عليه وسلم: أسرعوا بالجنازة, فإن تك صالحة, فخير تقدمونها إليه, وإن تك سوى ذلك, فشر تضعونه عن رقابكم متفق عليه, لكن, لا يكون الإسراع شديدا, ويكون على حامليها ومشيعيها السكينة, ولا يرفعون أصواتهم, لا بقراءة ولا غيرها من تهليل وذكر أو قولهم: استغفروا له, وما أشبه ذلك; لأن هذا بدعة.

ويحرم خروج النساء مع الجنائز, لحديث أم عطية: نهينا عن اتباع الجنائز ولم تكن النساء يخرجن مع الجنائز على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم, فتشييع الجنائز خاص بالرجال.

ويسن أن يعمق القبر ويوسع, لقوله صلى الله عليه وسلم: احفروا وأوسعوا وعمقوا قال الترمذي: ” حسن صحيح “.

ويسن ستر قبر المرأة عند إنزالها فيه لأنها عورة.

ويسن أن يقول من ينزل الميت في القبر: ” بسم الله, وعلى ملة رسول الله ” لقوله صلى الله عليه وسلم إذا وضعتم موتاكم في القبور, فقولوا: بسم الله, وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه الخمسة إلا النسائي, وحسنه الترمذي.

ويوضع الميت في لحده على شقه الأيمن مستقبل القبلة, لقوله صلى الله عليه وسلم في الكعبة: قبلتكم أحياء وأمواتا رواه أبو داود وغيره.

ويجعل تحت رأسه لبنة أو حجر أو تراب, ويدنى من حائط القبر الأمامي, ويجعل خلف ظهره ما يسنده من تراب, حتى لا ينكب على وجهه, أو ينقلب على ظهره. ثم تسد عليه فتحة اللحد باللبن والطين حتى يلتحم, ثم يهال عليه التراب, ولا يزاد عليه من غير ترابه.

ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر, ويكون مسنما – أي: محدبا كهيئة السنام – لتنزل عنه مياه السيول, ويوضع عليه حصباء, ويرش بالماء ليتماسك ترابه ولا يتطاير, والحكمة في رفعه بهذا المقدار, ليعلم أنه قبر فلا يداس, ولا بأس بوضع النصائب على طرفيه لبيان حدوده, وليعرف بها, من غير أن يكتب علمها.

ويستحب إذا فرغ من دفنه أن يقف المسلمون على قبره ويدعوا له ويستغفروا له لأنه عليه الصلاة والسلام كان إذا فرغ من دفن الميت, وقف عليه, وقال: استغفروا لأخيكم, واسألوا له التثبيت, فإنه الآن يسأل رواه أبو داود, وأما قراءة شيء من القرآن عند القبر, فإن هذا بدعة; لأنه لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا صحابته الكرام, وكل بدعة ضلالة.

ويحرم البناء على القبور وتجصيصها والكتابة عليها, لقول جابر: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر, وأن يقعد عليه, وأن يبنى عليه رواه مسلم, وروى الترمذي وصححه من حديث جابر مرفوعا: نهى أن تجصص القبور وأن يكتب عليها وأن توطأ ولأن هذا من وسائل الشرك والتعلق بالأضرحة; لأن الجهال إذا رأوا البناء والزخرفة على القبر, تعلقوا به.

ويحرم إسراج القبور – أي: إضاءتها بالأنوار الكهربائية وغيرها, ويحرم اتخاذ المساجد عليها – أي: ببناء المساجد عليها -, والصلاة عندها أو إليها, وتحرم زيارة النساء للقبور لقوله صلى الله عليه وسلم لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج رواه أهل السنن, وفي ” الصحيح ” لعن الله اليهود والنصارى, اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ولأن تعظيم القبور بالبناء عليها ونحوه هو أصل شرك العالم.

وتحرم إهانة القبور بالمشي عليها ووطئها بالنعال والجلوس عليها وجعلها مجتمعا للقمامات أو إرسال المياه عليها, لما روى مسلم عن أبي هريرة مرفوعا: لأن يجلس أحدكم على جمرة, فتحرق ثيابه, فتخلص إلى جلده خير من أن يجلس على قبر

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: ” من تدبر نهيه عن الجلوس على القبر والاتكاء عليه والوطء عليه, علم أن النهي إنما كان احتراما لسكانها أن يوطأ بالنعال على رءوسهم “.

ْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ الآيات صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان

أحكام الصلاة على الميت

ثم يشرع بعد ذلك الصلاة على الميت المسلم فعن أبي هريرة رضي الله عنه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من شهد الجنازة حتى يصلى عليها, فله قيراط, ومن شهدها حتى تدفن, فله قيراطان. قيل: وما القيراطان, قال: مثل الجبلين العظيمين متفق عليه.

والصلاة على الميت فرض كفاية, إذا فعلها البعض, سقط الإثم عن الباقين, وتبقى في حق الباقين سنة, وإن تركها الكل, أثموا.

ويشترط في الصلاة على الميت: النية, واستقبال القبلة, وستر العورة, وطهارة المصلي والمصلى عليه واجتناب النجاسة, وإسلام المصلي والمصلى عليه, وحضور الجنازة إن كانت بالبلد, وكون المصلي مكلفا. وأما أركانها, فهي: القيام فيها, والتكبيرات الأربع, وقراءة الفاتحة, والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم, والدعاء للميت والترتيب, والتسليم.

وأما سننها, فهي: رفع اليدين مع كل تكبيرة, والاستعاذة قبل القراءة, وأن يدعو لنفسه وللمسلمين, والإسرار بالقراءة, وأن يقف بعد التكبيرة الرابعة وقبل التسليم قليلا, وأن يضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره, والالتفات على يمينه في التسليم. تكون الصلاة على الميت بأن يقوم الإمام والمنفرد عند صدر الرجل ووسط المرأة ويقف المأمومون خلف الإمام, ويسن جعلهم ثلاثة صفوف, ثم يكبر للإحرام, ويتعوذ بعد التكبير مباشرة فلا يستفتح, ويسمي, ويقرأ الفاتحة, ثم يكبر, ويصلي بعدها على النبي صلى الله عليه وسلم مثل الصلاة عليه قي تشهد الصلاة, ثم يكبر, ويدعو للميت بما ورد, ومنه: اللهم اغفر لحينا وميتنا, وشاهدنا وغائبنا, وصغيرنا وكبيرنا, وذكرنا وأنثانا, إنك تعلم منقلبنا ومثوانا, وأنت على كل شيء قدير, اللهم من أحييته منا, فأحيه على الإسلام والسنة, ومن توفيته منا, فتوفه عليهما, اللهم اغفر له, وارحمه, وعافه, واعف عنه, وأكرم نزله, ووسع مدخله, واغسله بالماء والثلج والبرد, ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس, وأبدله دارا خيرا من داره, وزوجا خيرا من زوجه, وأدخله الجنة, وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار, وأفسح له في قبره, ونور له فيه وإن كان المصلى عليه أنثى, قال: ” اللهم اغفر لها “, بتأنيث الضمير في الدعاء كله, وإن كان المصلى عليه صغيرا, قال: اللهم اجعله ذخرا لوالديه, وفرطا, وأجرا, وشفيعا مجابا, اللهم ثقل به موازينهما, وأعظم به أجورهما, وألحقه بصالح سلف المؤمنين, واجعله في كفالة إبراهيم, وقه برحمتك عذاب الجحيم, ثم يكبر, ويقف بعدها قليلا, ثم يسلم تسليمة واحدة عن يمينه.

ومن فاتته بعض الصلاة على الجنازة, دخل مع الإمام فيما بقى, ثم إذا سلم الإمام قضى ما فاته على صفته, وإن خشي أن ترفع الجنازة, تابع التكبيرات ( أي: بدون فصل بينها ), ثم سلم.

ومن فاتته الصلاة على الميت قبل دفنه, صلى على قبره.

ومن كان غائبا عن البلد الذي فيه الميت, وعلم بوفاته, فله أن يصلي عليه صلاة الغائب بالنية.

وحمل المرأة إذا سقط ميتا وقد تم له أربعة أشهر فأكثر, صلي عليه صلاة الجنازة, وإن كان دون أربعة أشهر, لم يصل عليه.

ْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ الآيات صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان

أحكام الوفاة

ويستحب إذا مات الميت تغميض عينيه, لأن النبي صلى الله عليه وسلم أغمض أبا سلمة رضي الله عنه لما مات, وقال: إن الروح إذا قبض, تبعه البصر, فلا تقولوا إلا خيرا, فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون رواه مسلم,

ويسن ستر الميت بعد وفاته بثوب, لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي, سجي ببرد حبرة متفق عليه.

وينبغي الإسراع في تجهيزه إذا تحقق موته, لقوله صلى الله عليه وسلم: لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله رواه أبو داود, ولأن في ذلك حفظا للميت من التغير, قال الإمام أحمد رحمه الله: ” كرامة الميت تعجيله “, ولا بأس أن ينتظر به من يحضره من وليه أو غيره إن كان قريبا ولم يخش على الميت من التغير.

ويباح الإعلام بموت المسلم, للمبادرة لتهيئته, وحضور جنـازته, والصلاة عليه, والدعاء له, وأما الإعلام بموت الميت على صفة الجزع وتعداد مفاخره فذلك من فعل الجاهلية, ومنه حفلات التأبين إقامة المآتم.

ويستحب الإسراع بتنفيذ وصيته, لما فيه من تعجيل الأجر, وقد قدمها الله تعالى في الذكر على الدين, اهتماما بشأنها, وحثا على إخراجها. ويجب الإسراع بقضاء ديونه, سواء كانت لله تعالى من زكاة وحج أو نذر طاعة أو كفارة, أو كانت الديون لآدمي كرد الأمانات والغصوب والعارية, سواء أوصى بذلك أم لم يوص به, لقوله صلى الله عليه وسلم: نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه رواه أحمد والترمذي وحسنه, أي: مطالبة به, عليه من الدين محبوسة, ففي هذا الحث على الإسراع في قضاء الدين عن الميت وهذا فيمن له مال يقضى منه دينه, ومن لا مال له ومات عازما على القضاء, فقد ورد في الأحاديث ما يدل على أن الله يقضي عنه.

ْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ الآيات صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان

أحكام المريض والمحتضر

وإذا أصيب الإنسان بمرض, فعليه أن يصبر ويحتسب ولا يجزع ويسخط لقضاء الله وقدره, ولا بأس أن يخبر الناس بعلته ونوع مرضه, مع الرضى بقضاء الله, والشكوى إلى الله تعالى, وطلب الشفاء منه لا ينافي الصبر, بل ذلك مطلوب شرعا ومستحب, فأيوب عليه السلام نادى ربه وقال: أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ

وكذلك لا بأس بالتداوي بالأدوية المباحة بل ذهب بعض العلماء إلى تأكد ذلك, حتى قارب به الوجوب, فقد جاءت الأحاديث بإثبات الأسباب والمسببات, والأمر بالتداوي, وأنه لا ينافي التوكل. كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش بالطعام والشراب.

ولا يجوز التداوي بمحرم, لما في الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه, أنه قال: إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم وروى أبو داود وغيره عن أبي هريرة مرفوعا: إن الله أنزل الدواء, وأنزل الداء, وجعل لكل داء دواء, ولا تداووا بحرام وفي ” صحيح مسلم ” أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الخمر: إنه ليس بدواء ولكنه داء

وكذلك يحرم التداوي بما يمس العقيدة, من تعليق التمائم المشتملة على ألفاظ شركية أو أسماء مجهولة أو طلاسم أو خرز أو خيوط أو قلائد أو حلق تلبس على العضد أو الذراع أو غيره, يعتقد فيها الشفاء ودفع العين والبلاء, لما فيها من تعلق القلب على غير الله في جلب نفع أو دفع ضر, وذلك كله من الشرك أو من وسائله الموصلة إليه, ومن ذلك أيضا التداوي عند المشعوذين من الكهان والمنجمين والسحرة والمستخدمين للجن فعقيدة المسلم أهم عنده من صحته.

وقد جعل الله الشفاء في المباحات النافعة للبدن والعقل والدين, وعلى رأس ذلك القرآن الكريم والرقية به وبالأدعية المشروعة.

قال ابن القيم: ” ومن أعظم العلاج فعل الخير والإحسان والذكر والدعاء والتضرع إلى الله والتوبة, وتأثيره أعظم من الأدوية, لكن بحسب استعداد النفس وقبولها “. انتهى.

ولا بأس بالتداوي بالأدوية المباحة على أيدي الأطباء العارفين بتشخيص الأمراض وعلاجها في المستشفيات وغيرها.

وتسن عيادة المرضى, لما في ” الصحيحين ” وغيرهما: خمس تجب للمسلم على أخيه, وذكر منها عيادة المريض فإذا زاره, سأل عن حاله, فقد كان النبي يدنو من المريض, ويسأله عن حاله وتكون الزيارة يوما بعد يوم, أو بعد يومين, ما لم يكن المريض يرغب الزيارة كل يوم, ولا يطيل الجلوس عنده, إلا إذا كان المريض يرغب ذلك, ويقول للمريض: ” لا بأس عليك, طهور إن شاء الله “, ويدخل عليه السرور, ويدعو له بالشفاء, ويرقيه بالقرآن, لا سيما سورة الفاتحة والإخلاص والمعوذتين.

ويسن للمريض أن يوصي بشيء من ماله في أعمال الخير, ويجب أن يوصي بماله وما عليه من الديون وما عنده من الودائع والأمانات, وهذا مطلوب, حتى من الإنسان الصحيح, لقوله صلى الله عليه وسلم: ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده متفق عليه, وذكر الليلتين تأكيد لا تحديد, فلا ينبغي أن يمضي عليه زمان, وإن كان قليلا, إلا ووصيته مكتوبة عنده, لأنه لا يدري متى يدركه الموت.

ويحسن المريض ظنه بالله, فإن الله عز وجل يقول. أنا عند ظن عبدي بي ويتأكد ذلك عند إحساسه بلقاء الله.

ويحسن لمن يحضره تطميعه في رحمة الله, ويغلب في هذه الحالة جانب الرجاء على جانب الخوف, وأما في حالة الصحة, فيكون خوفه ورجاؤه متساويين, لأن من غلب عليه الخوف, أوقعه في نوع من اليأس, ومن غلب عليه الرجاء, أوقعه في نوع من الأمن من مكر الله.

فإذا احتضر المريض, فإنه يسن لمن حضره أن يلقنه لا إله إلا الله, لقوله صلى الله عليه وسلم: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله رواه مسلم, وذلك لأجل أن يموت على كلمة الإخلاص, فتكون ختام كلامه, فعن معاذ مرفوعا: من كان آخر كلامه لا إله إلا الله, دخل الجنة ويكون تلقينه إياها برفق, ولا يكثر عليه, لئلا يضجره وهو في هذه الحال. ويسن أن يوجه إلى القبلة ، ويقرأ عنده سورة ( يس ), لقوله صلى الله عليه وسلم: اقرءوا على موتاكم سورة ” يس ” رواه أبو داود وابن ماجه وصححه ابن حبان, والمراد بقوله: ” موتاكم “. من حضرته الوفاة, أما من مات, فإنه لا يقرأ عليه, فالقراءة على الميت بعد موته بدعة, بخلاف القراءة على الذي يحتضر, فإنها سنة, فالقراءة عند الجنازة أو على القبر أو لروح الميت, كل هذا من البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان, والواجب على المسلم العمل بالسنة وترك البدعة.

ْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ الآيات صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان

أحكام صلاة الاستسقاء

الاستسقاء هنا هو طلب السقي من الله تعالى; فالنفوس مجبولة على الطلب ممن يغيثها, وهو الله وحده, وكان ذلك معروفا في الأمم الماضية, وهو من سنن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام, قال الله تعالى: وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ واستسقى خاتم الأنبياء نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم لأمته مرات متعددة وعلى كيفيات متنوعة, وأجمع المسلمون على مشروعيته.

ويشرع الاستسقاء إذا أجدبت الأرض – أي: أمحلت – وانحبس المطر وأضر ذلك بهم; فلا مناص لهم أن يتضرعوا إلى ربهم ويستسقوه ويستغيثوه بأنواع من التضرع: تارة بالصلاة جماعة أو فرادى, وتارة بالدعاء في خطبة الجمعة, يدعو الخطيب والمسلمون يؤمنون على دعائه, وتارة بالدعاء عقب الصلوات وفي الخلوات بلا صلاة ولا خطبة; فكل ذلك وارد عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وحكم صلاة الاستسقاء أنها سنة مؤكدة; لقول عبد الله بن زيد: خرج النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي, فتوجه إلى القبلة يدعو وحول رداءه, ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة متفق عليه, ولغيره من الأحاديث.

و صفة صلاة الاستسقاء في موضعها وأحكامها كصلاة العيد; فيستحب فعلها في المصلى كصلاة العيد, وأحكامها كأحكام صلاة العيد في عدد الركعات والجهر بالقراءة, وفي كونها تصلى قبل الخطبة, وفي التكبيرات الزوائد في الركعة الأولى والثانية قبل القراءة; كما سبق بيانه في صلاة العيد.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: صلى النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين كما يصلي العيد قال الترمذي: ” حديث حسن صحيح “, وصححه الحاكم وغيره.

ويقرأ في الركعة الأولى بسورة: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وفي الثانية بسورة الغاشية.

ويصليها أهل البلد في الصحراء, لأنه صلى الله عليه وسلم لم يصلها إلا في الصحراء, ولأن ذلك أبلغ في إظهار الافتقار إلى الله تعالى.

وإذا أراد الإمام الخروج لصلاة الاستسقاء; فإنه ينبغي أن يتقدم ذلك تذكير الناس بما يلين قلوبهم من ذكر ثواب الله وعقابه, ويأمرهم بالتوبة من المعاصي, والخروج من المظالم, بردها إلى مستحقيها; لأن المعاصي سبب لمنع القطر وانقطاع البركات, والتوبة والاستغفار سبب لإجابة الدعاء, قال الله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ويأمرهم بالصدقة على الفقراء والمساكين, لأن ذلك سبب للرحمة, ثم يعين لهم يوما يخرجون فيه ليتهيئوا ويستعدوا لهذه المناسبة الكريمة بما يليق بها من الصفة المسنونة, ثم يخرجون في الموعد إلى المصلى بتواضع وتذلل وإظهار للافتقار إلى الله تعالى, ولقول ابن عباس رضي الله عنهما: خرج النبي صلى الله عليه وسلم للاستسقاء متذللا متواضعا متخشعا متضرعا قال الترمذي: ” حديث حسن صحيح ” وينبغي أن لا يتأخر أحد من المسلمين يستطيع الخروج, حتى الصبيان والنساء اللاتي لا تخشى الفتنة بخروجهن, فيصلي بهم الإمام ركعتين كما سبق, ثم يخطب خطبة واحدة, وبعض العلماء يرى أنه يخطب خطبتين, والأمر واسع, ولكن الاقتصار على خطبة واحدة أرجح من حيث الدليل, وكذلك كون الخطبة بعد صلاة الاستسقاء هو أكثر أحواله صلى الله عليه وسلم, واستمر عمل المسلمين عليه, وورد أنه صلى الله عليه وسلم خطب قبل الصلاة, وقال به بعض العلماء, والأول أرجح, والله أعلم.

وينبغي أن يكثر في خطبة الاستسقاء من الاستغفار وقراءة الآيات التي فيها الأمر به, لأن ذلك سبب لنزول الغيث, ويكثر من الدعاء بطلب الغيث من الله تعالى, ويرفع يديه, لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في دعائه بالاستسقاء, حتى يرى بياض إبطيه, ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم, لأن ذلك من أسباب الإجابة, ويدعو بالدعاء الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموطن; اقتداء به,. قال الله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ

ويسن أن يستقبل القبلة في آخر الدعاء, ويحول رداءه; فيجعل اليمين على الشمال والشمال على اليمين, وكذلك ما شابه الرداء من اللباس كالعباءة ونحوها, لما في ” الصحيحين “; أن النبي صلى الله عليه وسلم حول إلى الناس ظهره, واستقبل القبلة يدعو, ثم حول رداءه… والحكمة في ذلك – والله أعلم – التفاؤل بتحويل الحال عما هي عليه من الشدة إلى الرخاء ونزول الغيث, ويحول الناس أرديتهم لما روى الإمام أحمد: وحول الناس معه أرديتهم ولأن ما ثبت في حق النبي صلى الله عليه وسلم ثبت في حق أمته, ما لم يدل دليل على اختصاصه به, ثم إن سقى الله المسلمين, وإلا; أعادوا الاستسقاء ثانيا وثالثا; لأن الحاجة داعية إلى ذلك.

وإذا نزل المطر يسن أن يقف في أوله ليصيبه منه ويقول: اللهم صيبا نافعا, ويقول: مطرنا بفضل الله ورحمته.

وإذا زادت المياه وخيف منها الضرر; سن أن يقول: اللهم حوالينا ولا علينا, اللهم على الظراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر; لأنه صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك, متفق عليه, والله أعلم.

ْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ الآيات صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان