Mozaik Islam

وجوب صلاة الجماعة وفضلها

شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام, وهى صلاة الجماعة في المساجد, فقد اتفق المسلمون على أن أداء الصلوات الخمس في المساجد من أوكد الطاعات وأعظم القربات, بل وأعظم وأظهر شعائر الإسلام. فقد شرع الله لهذه الأمة الاجتماع في أوقات معلومة, منها ما هو في اليوم والليلة, كالصلوات الخمس; فإن المسلمين يجتمعون لأدائها في المساجد كل يوم وليلة خمس مرات, ومن هذه الاجتماعات ما هو في الأسبوع مرة; كالاجتماع لصلاة الجمعة, وهو اجتماع أكبر من الاجتماع للصلوات الخمس, ومنها اجتماع يتكرر كل سنة مرتين, وهو الاجتماع لصلاة العيدين, وهو أكبر من الاجتماع لصلاة الجمعة, بحيث يشرع فية اجتماع أهل البلد, ومنها اجتماع مرة واحدة في السنة, وهو الاجتماع في الوقوف بعرفة, وهو أكبر من اجتماع العيدين; لأنه يشرع للمسلمين عموما في كل أقطار الأرض. وإنما شرعت هذه الاجتماعات العظيمة في الإسلام; لأجل مصالح المسلمين; ليحصل التواصل بينهم بالإحسان والعطف والرعاية, ولأجل التوادد والتحابب بينهم في القلوب, ولأجل أن يعرف بعضهم أحوال بعض, فيقومون بعيادة المرضى, وتشييع المتوفى, وإغاثة الملهوفين, ولأجل إظهار قوة المسلمين وتعارفهم وتلاحقهم, فيغيظون بذلك أعداءهم من الكفار والمنافقين, ولأجل إزالة ما ينسجه بينهم شياطين الجن والإنس من العداوة والتقاطع والأحقاد, فيحصل الائتلاف واجتماع القلوب على البر والتقوى, ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تختلفوا; فتختلف قلوبكمومن فوائد صلاة الجماعة; تعليم الجاهل, ومضاعفة الأجر والنشاط على العمل الصالح عندما يشاهد المسلم إخوانه المسلمين يزاولون الأعمال الصالحة, فيقتدي بهم.

وفي الحديث المتفق عليه عن النبي صلى الله عليه وسلم: صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة وفي رواية: بخمس وعشرين.فصلاة الجماعة فرض على الرجال في الحضر والسفر, وفي حال الأمان وحال الخوف, وجوبا عينيا, والدليل على ذلك الكتاب والسنة وعمل المسلمين قرنا بعد قرن, خلفا عن سلف.

ومن أجل ذلك; عمرت المساجد, ورتب لها الأئمة والمؤذنون, وشرع النداء لها بأعلى صوت: حي على الصلاة, حي على الفلاح.وقال الله تعالى في حال الخوف: وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ الآية; فدلت هذه الآية الكريمة على تأكد وجوب صلاة الجماعة, حيث لم يرخص للمسلمين في تركها حال الخوف, فلو كانت غير واجبة, لكان أولى الأعذار بسقوطها عذر الخوف; فإن الجماعة في صلاة الخوف يترك لها أكثر واجبات الصلاة, فلولا تأكد وجوبها; لم يترك من أجلها تلك الواجبات الكثيرة; فقد اغتفرت في صلاة الخوف أفعال كثيرة من أجلها.

وفي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم; أنه قال: أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر, ولو يعلمون ما فيهما, لأتوهما ولو حبوا, ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام, ثم آمر رجلا فيصلي بالناس, ثم انطلق معي برجال معهم حزم من حطب, إلى قوم لا يشهدون الصلاة, فأحرق عليهم بيوتهم بالنار

ووجه الاستدلال من الحديث على وجوب صلاة الجماعة من ناحيتين:

الناحية الأولى: أنه وصف المتخلفين عنها بالنفاق, والمتخلف عن السنة لا يعد منافقا; فدل على أنهم تخلفوا عن واجب. والناحية الثانية: أنه صلى الله عليه وسلم هم بعقوبتهم على التخلف عنها, والعقوبة إنما تكون على ترك واجب, وإنما منعه صلى الله عليه وسلم من تنفيذ هذه العقوبة من في البيوت من النساء والذراري الذين لا تجب عليهم الجماعة. وفي ” صحيح مسلم أن رجلا أعمى قال: يا رسول الله! ليس لي قائد يقودني إلى المسجد, فسأله أن يرخص له أن يصلي في بيته, فرخص له, فلما ولى; دعاه, فقال: ” هل تسمع النداء ؟ “, قال: نعم, قال: ” فأجب فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالحضور إلى المسجد لصلاة الجماعة وإجابة النداء مع ما يلاقيه من المشقة, فدل ذلك على وجوب صلاة الجماعة. وقد كان وجوب صلاة الجماعة مستقرا عند المؤمنين من صدر هذه الأمة:قال ابن مسعود رضي الله عنه: ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق, ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف فدل ذلك على استقرار وجوبها عند صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولم يعلموا ذلك إلا من جهة النبي صلى الله عليه وسلم, ومعلوم أن كل أمر لا يتخلف عنه إلا منافق يكون واجبا على الأعيان. وروى الإمام أحمد وغيره مرفوعا: الجفاء كل الجفاء, والكفر والنفاق, من سمع المنادي إلى الصلاة, فلا يجيبه

وثبت حديث بذلك: يد الله على الجماعة, فمن شذ; شذ في النار

وسئل ابن عباس عن رجل يقوم الليل ويصوم النهار ولا يحضر الجماعة, فقال: ” هو في النار نسأل الله العافية والتوفيق لمعرفة الحق واتباعه, إنه سميع مجيب.

ْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ الآيات صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان

الأوقات المنهي عن الصلاة فيها

سبق أن بينا جملا من أحكام صلاة التطوع, ويجدر بنا الآن أن ننبه على أن هناك أوقاتا ورد النهي عن الصلاة فيها; إلا ما استثني, وهي أوقات خمسة:

الأول: من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس; لقوله صلى الله عليه وسلم: إذا طلع الفجر; فلا صلاة إلا ركعتي الفجر رواه أحمد وأبو داود وغيرهما, فإذا طلع الفجر; فإنه لا يصلي تطوعا إلا راتبة الفجر.

الثاني: من طلوع الشمس حتى ترتفع قدر رمح في رأي العين.

والثالث: عند قيام الشمس حتى تزول, وقيام الشمس يعرف بوقوف الظل, لا يزيد ولا ينقص, إلى أن تزول إلى جهة الغرب; لقول عقبة بن عامر: ثلاث ساعات نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع, وحين يقول قائم الظهيرة حتى تزول, وحين تتضيف الشمس للغروب حتى تغرب رواه مسلم.

والرابع: من صلاة العصر إلى غروب الشمس; لقوله صلى الله عليه وسلم: لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس, ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس متفق عليه.

والخامس: إذا شرعت الشمس في الغروب حتى تغيب.

واعلم أنه يجوز قضاء الفرائض الفائتة في هذه الأوقات; لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: من نام عن صلاة أو نسيها, فليصلها إذا ذكرها متفق عليه. يجوز أيضا فعل ركعتي الطواف في هذه الأوقات; لقوله صلى الله عليه وسلم: لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة من ليل أو نهار رواه الترمذي وصححه; فهذا إذن منه صلى الله عليه وسلم بفعلها في جميع أوقات النهي, ولأن الطواف جائز قي كل وقت; فكذلك ركعتاه. ويجوز أيضا على الصحيح من قولي العلماء في هذه الأوقات فعل ذوات الأسباب من الصلوات; كصلاة الجنازة, وتحية المسجد, وصلاة الكسوف, للأدلة الدالة على ذلك, وهي تخص عموم النهي عن الصلاة في هذه الأوقات, فتحمل على ما لا سبب له; فلا يجوز فعلها بأن تبتدأ في هذه الأوقات صلاة تطوع لا سبب لها. ويجوز قضاء سنة الفجر بعد صلاة الفجر, وكذا يجوز أن يقضي سنة الظهر بعد العصر, ولا سيما إذا جمع الظهر مع العصر; فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم, أنه قضى سنة الظهر بعد العصر.

ْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ الآيات صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان

التطوع المطلق

روى أهل السنن; أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة; قال: الصلاة في جوف الليل

وقال صلى الله عليه وسلم: إن في الليل ساعة, لا يوافقها عبد مسلم, يسأل الله خيرا من أمر الدنيا والآخرة; إلا أعطاه إياه

وقال صلى الله عليه وسلم: وعليكم بقيام الليل, فإنه دأب الصالحين قبلكم, وهو قربة إلى ربكم, ومكفرة للسيئات, ومنهاة عن الإثم ” رواه الحاكم.

وقد مدح الله القائمين من الليل: قال تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ

وقال تعالى: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ

والنصوص في ذلك كثيرة تدل على فضل قيام الليل, فالتطوع المطلق أفضله قيام الليل; لأنه أبلغ في الإسرار, وأقرب إلى الإخلاص, ولأنه وقت غفلة الناس, ولما فيه من إيثار الطاعة على النوم والراحة.

ويستحب التنفل بالصلاة في جميع الأوقات; غير أوقات النهي, وصلاة الليل أفضل من صلاة النهار, لما سبق, وأفضل صلاة الليل الصلاة في ثلث الليل بعد نصفه; لما في ” الصحيح ” مرفوعا: أفضل الصلاة صلاة داود, كان ينام نصف الليل, ويقوم ثلثه, وينام سدسه فكان يريح نفسه بنوم أول الليل, ثم يقوم في الوقت الذي ينادي الله فيه, فيقول: هل من سائل فأعطيه سؤله ؟ ثم ينام بقية الليل في السدس الأخير, ليأخذ راحته, حتى يستقبل صلاة الفجر بنشاط, هذا هو الأفضل, وإلا; فالليل كله محل القيام.

قال الإمام أحمد رحمه الله: ” قيام الليل من المغرب إلى طلوع الفجر “.

وعليه; فالنافلة بين العشاءين من قيام الليل, لكن تأخير القيام إلى آخر الليل أفضل كما سبق, قال تعالى: إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا والناشئة هي القيام بعد النوم, والتهجد إنما يكون بعد النوم

فينبغي للمسلم أن يجعل له حظا من قيام الليل, يداوم عليه, وإن قل.

– وينبغي أن ينوي قيام الليل.

فإذا استيقظ; استاك, وذكر الله, وقال: ” لا إله إلا الله وحده, لا شريك له, له الملك, وله الحمد, وهو على كل شيء قدير, الحمد لله, وسبحان الله, ولا إله إلا الله, والله أكبر, ولا حول ولا قوة إلا بالله “, ويقول: ” الحمد لله الذي أحياني بعد ما أماتني وإليه النشور, الحمد لله الذي رد علي روحي, وعافاني في جسدي, وأذن لي بذكره “.

ويستحب أن يفتتح تهجده بركعتين خفيفتين; لحديث أبي هريرة: إذا قام أحدكم من الليل; فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين رواه مسلم وغيره.

ويسلم في صلاة الليل من كل ركعتين; لقوله صلى الله عليه وسلم: صلاة الليل مثنى مثنى رواه الجماعة, ومعنى: ” مثنى مثنى “; أي: ركعتان ركعتان, بتشهد وتسليمتين, فهي ثنائية لا رباعية.

وينبغي إطالة القيام والركوع والسجود.

وينبغي أن يكون تهجده في بيته; فقد اتفق أهل العلم على أن صلاة التطوع في البيت أفضل, وكان صلى الله عليه وسلم يصلي في بيته, وقال عليه الصلاة والسلام: صلوا في بيوتكم, فإن أفضل صلاة المرء في بيته; إلا المكتوبة رواه مسلم, ولأنه أقرب إلى الإخلاص.

وصلاة النافلة قائما أفضل من الصلاة قاعدا بلا عذر, لقوله صلى الله عليه وسلم: من صلى قائما; فهو أفضل, ومن صلى قاعدا; فله نصف أجر صلاة القائم متفق عليه.

وأما من صلى النافلة قاعدا لعذر; فأجره كأجر القائم, لقوله صلى الله عليه وسلم: إذا مرض العبد أو سافر; كتب له من العمل ما كان يعمله وهو صحيح مقيم وجواز التطوع جالسا مع القدرة على القيام مجمع عليه.

ويختم صلاته بالوتر; فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجعل آخر صلاته بالليل وترا, وأمر بذلك في أحاديث كثيرة.

ومن فاته تهجده من الليل; استحب له قضاؤه قبل الظهر; لحديث: من نام عن حزبه من الليل, أو عن شيء منه, فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر; كتب له, كأنما قرأه من الليل

أيها المسلم! لا تحرم نفسك من المشاركة في قيام الليل, ولو بشيء قليل تداوم عليه; لتنال من ثواب القائمين المستغفرين بالأسحار, وربما يدفع بك القليل إلى الكثير, والله لا يضيع أجر المحسنين.

ْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ الآيات صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان

سجود التلاوة

ومن السنن سجود التلاوة, سمي بذلك من إضافة المسبب للسبب; لأن التلاوة سببه, فهو سجود شرعه الله ورسوله عبودية عند تلاوة الآيات واستماعها; تقربا إليه سبحانه, وخضوعا لعظمته, وتذللا بين يديه.

ويسن سجود التلاوة للقارئ والمستمع, وقد أجمع العلماء على مشروعيته. قال ابن عمر رضي الله عنهما: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا السورة فيها السجدة, فيسجد, ونسجد معه, حتى ما يجد أحدنا موضعا لجبهته متفق عليه. قال الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله: ” ومواضع السجدات أخبار وأوامر: خبر من الله عن سجود مخلوقاته له عموما أو خصوصا; فسن للتالي والسامع أن يتشبه بهم عند تلاوته آية السجدة أو سماعها, وآيات الأوامر ( أي: التي تأمر بالسجود ) بطريق الأولى “. وعن أبي هريرة مرفوعا: إذا قرأ ابن آدم السجدة, فسجد; اعتزل الشيطان يبكي, يقول: يا ويله! أمر ابن آدم بالسجود, فسجد; فله الجنة; وأمرت بالسجود, فأبيت, فلي النار رواه مسلم وابن ماجه. ويشرع سجود التلاوة في حق القارئ والمستمع, وهو الذي يقصد الاستماع للقراءة, وفي حديث ابن عمر: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا السورة فيها السجدة; فيسجد ونسجد معه ففيه دلالة على مشروعية سجود المستمع, وأما السامع, وهو الذي لم يقصد الاستماع; فلا يشرع في حقه سجود التلاوة; لما روى البخاري; أن عثمان رضي الله عنه مر بقارئ يقرأ سجدة ليسجد معه عثمان; فلم يسجد, وقال: ” إنما السجدة على من استمع وروي ذلك عن غيره من الصحابة. وسجدات التلاوة والقرآن; في: الأعراف, والرعد, والنحل, والإسراء, ومريم, والحج, والفرقان, والنمل, و ( ألم تنزيل ), و ( حم ) السجدة, والنجم, والانشقاق, و اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ وفي سجدة ( ص ) خلاف بين العلماء, هل هي سجدة شكر أو سجدة تلاوة; والله أعلم.

ويكبر إذا سجد للتلاوة لحديث ابن عمر: كان عليه الصلاة والسلام يقرأ علينا القرآن, فإذا مر بالسجدة; كبر, وسجد, وسجدنا معه رواه أبو داود. ويقول في سجوده: ” سبحان ربي الأعلى “; كما يقول في سجود الصلاة, وإن قال: ” سجد وجهي لله الذي خلقه وصوره, وشق سمعه وبصره, بحوله وقوته, اللهم اكتب لي بها أجرا, وضع عني بها وزرا, واجعلها لي عندك ذخرا, وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود “; فلا بأس. والإتيان بسجود التلاوة عن قيام أفضل من الإتيان به عن قعود.

أيها المسلم! إن طرق الخير كثيرة, فعليك بالجد والاجتهاد فيها, والإخلاص في القول والعمل, لعل الله أن يكتبك من جملة السعداء.

ْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ الآيات صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان

صلاة الضحى

اعلم أيها المسلم أنه قد وردت في صلاة الضحى أحاديث كثيرة:

منها ما في ” الصحيحين “: عن أبي هريرة رضي الله عنه, قال: ” أوصاني خليلي رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر, وركعتي الضحى, وأن أوتر قبل أن أنام

وفي حديث أبي سعيد; أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الضحى حتى نقول: لا يدعها, ويدعها حتى نقول: لا يصليهاوأقل صلاة الضحى ركعتان; لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة الذي ذكرنا قريبا: ” وركعتي الضحى “, ولحديث أنس: من قعد في مصلاه حين ينصرف من الصبح, حتى يسبح ركعتي الضحى, لا يقول إلا خيرا, غفرت له خطاياه, وإن كانت أكثر من زبد البحر رواه أبو داود. وأكثرها ثمان ركعات; لما روت أم هانئ, أن النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح صلى ثمان ركعات سبحة الضحى رواه الجماعة, ولمسلم عن عائشة رضي الله عنها: كان يصلي الضحى أربع ركعات ويزيد ما شاء اللهووقت صلاة الضحى يبتدئ من ارتفاع الشمس بعد طلوعها قدر رمح, ويمتد إلى قبيل الزوال, أي: وقت قيام الشمس في كبد السماء, والأفضل أن يصلي إذا اشتد الحر; لحديث: صلاة الأوابين حين ترمض الفصال رواه مسلم; أي: حين تحمى الرمضاء; فتبرك الفصال من شدة الحر.
ْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ الآيات صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان

السنن الراتبة مع الفرائض

اعلموا أيها الأخوان أن السنن الراتبة يتأكد فعلها ويكره تركها, ومن داوم على تركها; سقطت عدالته عند بعض الأئمة, وأثم بسبب ذلك; لأن المداومة على تركها تدل على قلة دينه, وعدم مبالاته.وجملة السنن الرواتب عشر ركعات, وبيانها كالتالي:

ركعتان قبل الظهر, وعند جمع من العلماء أربع ركعات قبل الظهر; فعليه تكون جملة السنن الرواتب اثنتي عشرة ركعة.

وركعتان بعد الظهر.

وركعتان بعد المعرب.

وركعتان بعد العشاء.

وركعتان قبل صلاة الفجر بعد طلوع الفجر.

والدليل على هذه الرواتب بهذا التفصيل المذكور هو حديث ابن عمر رضي الله عنهما; قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر, وركعتين بعدها, وركعتين بعد المغرب في بيته, وركعتين بعد العشاء في بيته, وركعتين قبل الصبح, كانت ساعة لا يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فيها أحد, حدثتني حفصة أنه كان إذا أذن المؤذن وطلع الفجر, صلى ركعتين متفق عليه. وفي ” صحيح مسلم ” عن عائشة رضي الله عنها: ” كان يصلي قبل الظهر أربعا في بيتي, ثم يخرج فيصلي بالناس, ثم يرجع إلى بيتي فيصلي ركعتينفيؤخذ من هذا أن فعل الراتبة في البيت أفضل من فعلها في المسجد, وذلك لمصالح تترتب على ذلك; منها: البعد عن الرياء والإعجاب ولإخفاء العمل عن الناس, ومنها: أن ذلك سبب لتمام الخشوع والإخلاص, ومنها: عمارة البيت بذكر الله والصلاة التي بسببها تنزل الرحمة على أهل البيت ويبتعد عنه الشيطان, وقد قال عليه الصلاة والسلام: اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم, ولا تجعلوها قبورا

وآكد هذه الرواتب ركعتا الفجر; لقول عائشة رضي الله عنها: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشد تعاهدا منه على ركعتي الفجر متفق عليه, وقال صلى الله عليه وسلم: ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحافظ عليهما وعلى الوتر في الحضر والسفر. وأما ما عدا ركعتي الفجر والوتر من الرواتب; فلم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى راتبة في السفر غير سنة الفجر والوتر.

وقال ابن عمر رضي الله عنهما لما سئل عن سنة الظهر في السفر; قال: لو كنت مسبحا; لأتممت وقال ابن القيم رحمه الله: ” وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في سفره الاقتصار على الفرض, ولم يحفظ عنه أنه صلى سنة الصلاة قبلها ولا بعدها, إلا ما كان من الوتر وسنة الفجر “.

والسنه تخفيف ركعتي الفجر; لما في ” الصحيحين ” وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها; أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح ويقرأ في الركعة الأولى من سنة الفجر بعد الفاتحة: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وفي الثانية: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ أو يقرأ في الأولى منهما: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا الآية التي في سورة البقرة, ويقرأ في الركعة الثانية: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا الآية التي في سورة آل عمران.

– وكذلك يقرأ في الركعتين بعد المغرب بالكافرون والإخلاص; لما روى البيهقي والترمذي وغيرهما عن ابن مسعود, قال: ” ما أحصي ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعتين بعد المغرب وفي الركعتين قبل الفجر: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ

وإذا فاتك شيء من هذه السنن الرواتب, فإنه يسن لك قضاؤه, وكذا إذا فاتك الوتر من الليل, فإنه يسن لك قضاؤه في النهار; لأنه صلى الله عليه وسلم قضى ركعتي الفجر مع الفجر حين نام عنهما, وقضى الركعتين اللتين قبل الظهر بعد العصر, ويقاس الباقي من الرواتب في مشروعية قضائه إذا فات على ما فيه النص, وقال صلى الله عليه وسلم: من نام عن الوتر أو نسيه, فليصله إذا أصبح أو ذكر رواه الترمذي وأبو داود. ويقضى الوتر مع شفعه; لما في ” الصحيح ” عن عائشة رضي الله عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا منعه من قيام الليل نوم أو وجع; صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة

أيها المسلم! حافظ على هذه السنن الرواتب; لأن في ذلك اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم, وقد قال الله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا وفي المحافظة على هذه السنن الرواتب أيضا جبر لما يحصل في صلاة الفريضة من النقص والخلل, والإنسان معرض للنقص والخلل, وهو بحاجة إلى ما يجبر به نقصه; فلا تفرط بهذه الرواتب أيها المسلم, فإنها من زيادة الخير الذي تجده عند ربك, وهكذا كل فريضة ليشرع إلى جانبها نافلة من جنسها, كفريضة الصلاة, وفريضة الصيام, وفريضة الزكاة, وفريضة الحج, كل من هذه الفرائض يشرع إلى جانبها نافلة من جنسها; تجبر نقصها وتصلح خللها, وهذا من فضل الله على عباده, حيث نوع لهم الطاعات ليرفع لهم الدرجات, ويحط عنهم الخطايا.

فنسأل الله لنا جميعا التوفيق لما يحبه ويرضاه, إنه سميع مجيب…

ْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ الآيات صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان

صلاة التراويح وأحكامها

مما شرعه نبي الهدى محمد صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان المبارك صلاة التراويح, وهى سنة مؤكدة, سميت تراويح لأن الناس كانوا يستريحرن فيها بين كل أربع ركعات, لأنهم كانوا يطيلون الصلاة.

وفعلها جماعة في المسجد أفضل; فقد صلاها النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه في المسجد ليالي, ثم تأخر عن الصلاة بهم, خوفا من أن تفرض عليهم; كما ثبت في ” الصحيحين ” عن عائشة رضي الله عنها; أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد ذات ليلة, وصلى بصلاته ناس, ثم صلى من القابلة, وكثر الناس, ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة, فلم يخرج إليهم, فلما أصبح; قال: قد رأيت الذي صنعتم, فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم وذلك في رمضان, وفعلها صحابته من بعده, وتلقتها أمته بالقبول, وقال صلى الله عليه وسلم: من قام مع الإمام حتى ينصرف; كتب له قيام ليلة وقال عليه الصلاة والسلام: من قام رمضان إيمانا واحتسابا, غفر له ما تقدم من ذنبه متفق عليه.

فهي سنة ثابتة, لا ينبغي للمسلم تركها. أما عدد ركعاتها, فلم يثبت فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم, والأمر في ذلك واسع. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. ” له أن يصلي عشرين ركعة, كما هو مشهور من مذهب أحمد والشافعي, وله أن يصلي ستا وثلاثين, كما هو مذهب مالك, وله أن يصلي إحدى عشرة ركعة وثلاث عشرة ركعة, وكل حسن, فيكون تكثير الركعات أو تقليلها بحسب طول القيام وقصره “. وعمر رضي الله عنه لما جمع الناس على أبي; صلى بهم عشرين ركعة, والصحابة رضي الله عنهم منهم من يقل ومنهم من يكثر, والحد المحدود لا نص عليه من الشارع. وكثير من الأئمة ( أي: أئمة المساجد ) في التراويح يصلون صلاة لا يعقلونها, ولا يطمئنون في الركوع ولا في السجود, والطمأنينة ركن, والمطلوب في الصلاة حضور القلب بين يدي الله تعالى, واتعاظه بكلام الله إذ يتلى, وهذا لا يحصل في العجلة المكروهة, وصلاة عشر ركعات مع طول القراءة والطمأنينة أولى من عشرين ركعة مع العجلة المكروهة; لأن لب الصلاة وروحها هو إقبال القلب على الله عز وجل, ورب قليل خير من كثير, وكذلك ترتيل القراءة أفضل من السرعة, والسرعة المباحة هي التي لا يحصل معها إسقاط شيء من الحروف, فإن أسقط بعض الحروف لأجل السرعة, لم يجز ذلك, وينهى عنه, وأما إذا قرأ قراءة بينة ينتفع بها المصلون خلفه; فحسن. وقد ذم الله الذين يقرءون القرآن بلا فهم معناه, فقال تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ أي: تلاوة بلا فهم, والمراد من إنزال القرآن فهم معانيه والعمل به لا مجرد التلاوة انتهى كلامه رحمه الله. وبعض أئمة المساجد لا يصلون التراويح على الوجه المشروع; لأنهم يسرعون في القراءة سرعة تخل بأداء القرآن على الوجه الصحيح, ولا يطمئنون في القيام والركوع والسجود, والطمأنينة ركن من أركان الصلاة, ويأخذون بالعدد الأقل من الركعات, فيجمعون بين تقليل الركعات وتخفيف الصلاة وإساءة القراءة, وهذا تلاعب بالعبادة, فيجب عليهم أن يتقوا الله ويحسنوا صلاتهم, ولا يحرموا أنفسهم ومن خلفهم من أداء التراويح على الوجه المشروع.

وفق الله الجميع لما فيه الصلاح والفلاح.

ْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ الآيات صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان

صلاة الوتر وأحكامها

ولنبدأ الآن بالحديث عن صلاة الوتر لأهميته, فقد قيل:

إنه آكد التطوع, وذهب بعض العلماء إلى وجوبه, وما اختلف وجوبه; فهو آكد من غيره مما لم يختلف في عدم وجوبه.

اتفق المسلمون على مشروعية الوتر, فلا ينبغي تركه, ومن أصر على تركه; فإنه ترد شهادته: قال الإمام أحمد: ” من ترك الوتر عمدا; فهو رجل سوء, لا ينبغي أن تقبل شهادته “, وروى أحمد وأبو داود مرفوعا: من لم يوتر, فليس منا

والوتر: اسم للركعة المنفصلة عما قبلها, ولثلاث الركعات وللخمس والسبع والتسع والإحدى عشرة ( إذا كانت هذه الركعات متصلة بسلام واحد ), فإذا كانت هذه الركعات بسلامين فأكثر, فالوتر اسم للركعة المنفصلة وحدها.

ووقت الوتر يبدأ من بعد صلاة العشاء الآخرة ويستمر إلى طلوع الفجر, ففي ” الصحيحين ” عن عائشة رضي الله عنها; قالت: من كل الليل أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم; من أوله, وأوسطه, وآخره, وانتهى وتره إلى السحر

وقد وردت أحاديث كثيرة تدل على أن جميع الليل وقت للوتر, إلا ما قبل صلاة العشاء, فمن كان يثق من قيامه في آخر الليل, فتأخير الوتر إلى آخر الليل أفضل, ومن كان لا يثق من قيامه في آخر الليل; فإنه يوتر قبل أن ينام, بهذا أوصى النبي صلى الله عليه وسلم; فقد روى مسلم من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: أيكم خاف ألا يقوم من آخر الليل; فليوتر ثم ليرقد, ومن وثق بقيامه من آخر الليل; فليوتر من آخره; فإن قراءة آخر الليل مشهودة, وذلك أفضل

وأقل الوتر ركعة واحدة; لورود الأحاديث بذلك, وثبوته عن عشرة من الصحابة رضي الله عنهم, لكن الأفضل والأحسن أن تكون مسبوقة بالشفع.

وأكثر الوتر إحدى عشرة ركعة, أو ثلاث عشرة ركعة, يصليها ركعتين ركعتين, ثم يصلي ركعة واحدة يوتر بها, لقول عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة, يوتر منها بواحدة رواه مسلم, وفي لفظ: يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة وله أن يسردها, ثم يجلس بعد العاشرة, ويتشهد ولا يسلم, ثم يقوم ويأتي بالحادية عشرة, ويتشهد ويسلم. وله أن يسردها, ولا يجلس إلا بعد الحادية عشرة, ويتشهد ويسلم. والصفة الأولى أفضل.

وله أن يوتر بتسع ركعات, يسرد ثمانيا, ثم يجلس عقب الركعة الثامنة, ويتشهد التشهد الأول ولا يسلم, ثم يقوم, فيأتي بالركعة التاسعة, ويتشهد التشهد الأخير ويسلم.

وله أن يوتر بسبع ركعات أو بخمس ركعات, لا يجلس إلا في آخرها, ويتشهد ويسلم, لقول أم سدرة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بسبع وبخمس لا يفصل بينهن بسلام ولا كلام

وله أن يوتر بثلاث ركعات, يصلي ركعتين ويسلم, ثم يصلي الركعة الثالثة وحدها, ويستحب أن يقرأ في الأولى ب ( سبح ), وفي الثانية: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ والثالثة: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ

وقد تبين مما مر أن لك أن توتر: بإحدى عشرة ركعة, أو ثلاث عشرة, وبتسع ركعات, وبسبع ركعات, وبخمس ركعات, وبثلاث ركعات, وبركعة واحدة; فأعلى الكمال إحدى عشرة, وأدنى الكمال ثلاث ركعات, والمجزئ ركعة واحدة.

ويستحب لك أن تقنت بعد الركوع في الوتر; بأن تدعو الله سبحانه, فترفع يديك, وتقول: ” اللهم اهدني فيمن هديت… ” إلخ الدعاء الوارد.

ْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ الآيات صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان

صلاة التطوع

اعلموا أن ربكم سبحانه وتعالى شرع لكم بجانب فرائض الصلوات التقرب إليه بنوافل الصلوات; فالتطوع بالصلاة من أفضل القربات بعد الجهاد في سبيل الله وطلب العلم; لمداومة النبي صلى الله عليه وسلم على التقرب إلى ربه بنوافل الصلوات, وقال عليه الصلاة والسلام: استقيموا ولن تحصوا, واعلموا أن خير أعمالكم الصلاةوالصلاة تجمع أنواعا من العبادة; كالقراءة, والركوع, والسجود, والدعاء, والذل, والخضوع, ومناجاة الرب سبحانه وتعالى, والتكبير, والتسبيح, والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

وصلوات التطوع على نوعين:

النوع الأول: صلوات مؤقتة بأوقات معينة, وتسمى بالنوافل المقيدة.

والنوع الثاني: صلوات غير مؤقتة بأوقات معينة, وتسمى بالنوافل المطلقة.

والنوع الأول أنواع متعددة, بعضها آكد من بعض, وآكد أنواعه صلاة الكسوف, ثم صلاة الاستسقاء, ثم صلاة التراويح, ثم صلاة الوتر, وكل من هذه الصلوات سيأتي عنه حديث خاص إن شاء الله تعالى.

ْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ الآيات صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان

الذكر بعد الصلاة

قال الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا

وخصص سبحانه الأمر بذكره بعد أداء العبادات:

فأمر بذكره بعد الفراغ من الصلوات; فقال سبحانه: فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ وقال سبحانه: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

وأمر بذكره بعد إكمال صيام رمضان, فقال سبحانه: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

– وأمر بذكره بعد قضاء مناسك الحج; فقال سبحانه: فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا وذلك – والله أعلم – جبر لما يحصل في العبادة من النقص والوساوس, ولإشعار الإنسان أنه مطلوب منه مواصلة الذكر والعبادة; لئلا يظن أنه إذا فرغ من العبادة; فقد أدى ما عليه.

والذكر المشروع بعد صلاة الفريضة يجب أن يكون على الصفة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم, لا على الصفة المحدثة المبتدعة التي يفعلها الصوفية المبتدعة.

ففي ” صحيح مسلم ” عن ثوبان رضي الله عنه, قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته; أستغفر الله ثلاثا, وقال: اللهم أنت السلام ومنك. السلام تباركت يا ذا الجلال والإكراموفي ” الصحيحين ” عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه; أن رسول الله -110- صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من الصلاة; قال: لا إله إلا الله وحده, لا شريك له, له الملك, وله الحمد, وهو على كل شيء قدير, اللهم لا مانع لما أعطيت, ولا معطي لما منعت, ولا ينفع ذا الجد منك الجد

وفي ” صحيح مسلم ” عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يهلل دبر كل صلاة حين يسلم بهؤلاء الكلمات: لا إله إلا الله وحده, لا شريك له, له الملك, وله الحمد, وهو على كل شيء قدير, لا حول ولا قوة إلا بالله, لا إله إلا الله, ولا نعبد إلا إياه, له النعمة, وله الفضل, وله الثناء الحسن, لا إله إلا الله, مخلصين له الدين, ولو كره الكافرون

وفي ” السنن ” من حديث أبي ذر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من قال في دبر صلاة الفجر وهو ثان رجليه قبل أن يتكلم: لا إله إلا الله وحده, لا شريك له, له الملك, وله الحمد, يحي ويميت, وهو على كل شيء قدير, عشر مرات; كتب له عشر حسنات, ومحي عنه عشر سيئات, ورفع له عشر درجات, وكان يومه ذلك كله في حرز من كل مكروه, وحرس من الشيطان, ولم ينبغ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم; إلا الشرك بالله ” قال الترمذي: ” هذا حديث حسن صحيح “, وورد أن هذه التهليلات العشر تقال بعد صلاة المغرب أيضا في حديث أم سلمة عند أحمد, وحديث أبي أيوب الأنصاري في ” صحيح ابن حبان “. ويقول بعد المغرب والفجر أيضا: ” رب أجرني من النار “; سبع مرات; لما رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم. ثم يسبح الله بعد كل صلاة ثلاثا وثلاثين, ويحمده ثلاثا وثلاثين, ويكبره ثلاثا وثلاثين, ويقول تمام المئة: ” لا إله إلا الله, وحده لا شريك له, له الملك, وله الحمد, وهو على كل شيء قدير “; لما روى مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين, وحمد الله ثلاثا وثلاثين, وكبر الله ثلاثا وثلاثين, فتلك تسعة وتسعون, ثم قال تمام المئة: لا إله إلا الله وحده, لا شريك له, له الملك, وله الحمد, وهو على كل شيء قدير; غفرت له خطاياه, وإن كانت مثل زبد البحر ثم يقرأ آية الكرسي, و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ و قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ و قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ لما رواه النسائي والطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه; قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة; لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت يعني: لم يكن بينه وبين دخول الجنة إلا الموت, وفي حديث آخر: كان في ذمة الله إلى الصلاة الأخرى وفي ” السنن ” عن عقبة بن عامر رضي الله عنه; قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقرأ المعوذتين دبر كل صلاة

لقد دلت هذه الأحاديث الشريفة على مشروعية هذه الأذكار بعد الصلوات المكتوبة, وعلى ما يحصل عليه من قالها من الأجر والثواب; فينبغي لنا المحافظة عليها, والإتيان بها; على الصفة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم, وأن نأتي بها بعد السلام من الصلاة مباشرة, قبل أن نقوم من المكان الذي صلينا فيه, ونرتبها على هذا الترتيب:

فإذا سلمنا من الصلاة; نستغفر الله ثلاثا.

– ثم نقول: ” اللهم أنت السلام, ومنك السلام, تباركت يا ذا الجلال والإكرام “

– ثم نقول: ” لا إله إلا الله وحده, لا شريك له, له الملك, وله الحمد, وهو على كل شيء قدير, اللهم لا مانع لما أعطيت, ولا معطي لما منعت, ولا ينفع ذا الجد منك الجد ” أي: لا ينفع الغني منك غناه, وإنما ينفعه العمل الصالح.

ثم نقول: ” لا حول ولا قوة إلا بالله, لا إله إلا الله, ولا نعبد إلا إياه, له النعمة, وله الفضل, وله الثناء الحسن, لا إله إلا الله, مخلصين له الدين ولو كره الكافرون “.

ثم نسبح الله ثلاثا وثلاثين, ونحمده ثلاثا وثلاثين, ونكبره ثلاثا وثلاثين, ونقول تمام المئة: ” لا إله إلا الله وحده, لا شريك له, له الملك, وله الحمد, وهو على كل شيء قدير “.

وبعد صلاة المغرب وصلاة الفجر نأتي بالتهليلات العشر, ونقول. ” رب أجرني من النار “; سبع مرات.

ثم بعد أن نفرغ من هذه الأذكار على هذا الترتيب; نقرأ آية الكرسي, وسور قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ والمعوذتين. ويستحب تكرار قراءة هذه السور بعد صلاة المغرب وصلاة الفجر ثلاث مرات.

ويستحب الجهر بالتهليل والتسبيح والتحميد والتكبير عقب الصلاة, لكن لا يكون بصوت جماعي, وإنما يرفع به كل واحد صوته منفردا.

ويستعين على ضبط عدد التهليلات وعدد التسبيح والتحميد والتكبير بعقد الأصابع, لأن الأصابع مسئولات مستنطقات يوم القيامة. ويباح استعمال السبحة ليعد بها الأذكار والتسبيحات, من غير اعتقاد أن فيها فضيلة خاصة, وكرهها بعض العلماء, وإن اعتقد أن لها فضيلة; فاتخاذها بدعة, وذلك مثل السبح التي يتخذها الصوفية, ويعلقونها في أعناقهم, أو يجعلونها كالأسورة في أيديهم, وهذا مع كونه بدعة; فإن فيه رياء وتكلفا.

ثم بعد الفراغ من هذه الأذكار يدعو سرا بما شاء; فإن الدعاء عقب هذه العبادة وهذه الأذكار العظيمة أحرى بالإجابة, ولا يرفع يديه بالدعاء بعد الفريضة كما يفعل بعض الناس; فإن ذلك بدعة, وإنما يفعل هذا بعد النافلة أحيانا, ولا يجهر بالدعاء, بل يخفيه; لأن ذلك أقرب إلى الإخلاص والخشوع, وأبعد عن الرياء. وما يفعله بعض الناس في بعض البلاد من الدعاء الجماعي بعد الصلوات بأصوات مرتفعة مع رفع الأيدي, أو يدعو الإمام والحاضرون يؤمنون رافعي أيديهم; فهذا العمل بدعة منكرة; لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا صلى بالناس يدعو بعد الفراغ من الصلاة على هذه الصفة, لا في الفجر, ولا في العصر, ولا غيرهما من الصلوات, ولا استحب ذلك أحد من الآئمة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: من نقل ذلك عن الإمام الشافعي; فقد غلط عليه, فيجب التقيد بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك وفي غيره; لأن الله تعالى يقول: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ويقول سبحانه: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا

ْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ الآيات صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان